في لحظة عصبية عابرة، وبين ضغط الحياة وتسارع التفاصيل اليومية، كانت أمٌّ تُدرّس طفلتها واجباتها المدرسية. لم تفهم الطفلة الإجابة سريعًا، أعادت السؤال أكثر من مرة، فارتفع صوت الأم، وخرجت الكلمة دون تفكير: أنتِ غبية.
ثم نهضت وغادرت المكان، معتقدة أن الأمر انتهى عند هذا الحد، وأنها كلمة قيلت في لحظة انفعال… لكنها لم تكن تعلم أن الكلمة لم تغادر، بل استقرت عميقًا في قلب صغير لا يعرف كيف يدافع عن نفسه.
مرت أيام قليلة، وذات مساء كانت الأم ترتّب درج ابنتها، فلفت نظرها دفتر صغير مخبأ بين الملابس. توقفت، ترددت بين احترام الخصوصية أو الاستسلام للفضول. اختارت طريقًا بدا لها أكثر حكمة، نادت ابنتها وسألتها عن الدفتر.
ابتسمت الطفلة وقالت ببراءة: ماما، هذا الدفتر الذي أهديتِني إياه وقلتِ لي اكتبي فيه أشياءك.
ثم سألتها بحماس طفولي: تحبين أقرأ لكِ ما كتبت؟
استمعت الأم لصفحات مليئة برسومات بريئة، وأمنيات جميلة، وأفكار طفلة ترى العالم بألوان بسيطة. حتى وصلت الطفلة إلى صفحة توقفت عندها فجأة، أغلقت الدفتر وقالت بهدوء:
هذه الصفحة لا أريد أن يراها أحد. احترمت الأم رغبتها، لكن الفضول بدأ يثقل صدرها.
في اليوم التالي، وبعد ذهاب الطفلة إلى المدرسة، عادت الأم مسرعة إلى الدرج. فتحت الدفتر، ووقعت عيناها على تلك الصفحة.
كانت هناك رسمة لطفلة تبكي، وكتبت خلفها: هذه أنا.
وفي الصفحة المقابلة كتبت بخط مرتجف: أنا غبية وفاشلة… كما قالت لي أمي.
سقطت الأم أرضًا، ليس من التعب، بل من الوجع. أدركت في تلك اللحظة أن الكلمة التي خرجت بلا اهتمام، لم تكن عابرة، بل كانت حجرًا سقط في أعماق روح صغيرة، وترك أثرًا لن يُمحى بسهولة.
هذه القصة ليست خيالًا، وليست حالة نادرة، بل واقع يتكرر يوميًا في بيوت كثيرة. نحن لا نربي أبناءنا بالأفعال فقط، بل بالكلمات أيضًا. الكلمة قد تكون حضنًا، وقد تكون جرحًا. قد تبني ثقة، وقد تهدم روحًا.
من منظور علم النفس التربوي، تؤكد الدراسات أن الطفل يبني صورته عن نفسه من خلال لغة الوالدين. ما يسمعه الطفل بشكل متكرر يتحول إلى “صوت داخلي” يرافقه طوال حياته. عندما يُوصَف الطفل بالفشل أو الغباء، يبدأ عقله بتصديق ذلك، ويترجم هذه الفكرة إلى سلوك: تراجع دراسي، خوف من المحاولة، ضعف ثقة بالنفس، وربما انسحاب اجتماعي.
علم النفس يسمي هذا التأثير “الوصم اللفظي”، وهو من أخطر أشكال التربية السلبية؛ لأنه لا يترك أثرًا جسديًا يُرى، لكنه يزرع جرحًا نفسيًا عميقًا. وعلى العكس، الكلمات الإيجابية تُنشئ ما يُعرف بـ “الدعم النفسي”، وهو عامل أساسي في بناء شخصية متزنة، قادرة على التعلّم، الخطأ، والمحاولة من جديد دون خوف.
الأطفال لا يحتاجون إلى آباء كاملين، بل إلى آباء واعين. الكلمة ليست مجرد صوت، بل رسالة تحمل معنى عن قيمة الطفل ومكانته. حين نقول لطفل: «أنت فاشل»، فإننا نحكم عليه قبل أن يخوض التجربة. وحين نقول: «أخطأت، لكنك تستطيع أن تتعلم»، فإننا نمنحه فرصة للنمو.
وهنا تأتي النصيحة الأهم لكل أم:
لا تصفي الطفل، بل صفي السلوك. قولي: «هذا الحل غير صحيح»، بدل: «أنت غبي».
امنحي طفلك لغة بديلة للفشل، علميه أن الخطأ مرحلة، وليس نهاية.
اعتذري عندما تخطئين. الاعتذار لا يقلل من هيبتك، بل يزيد ثقة طفلك بك.
راقبي كلماتك في لحظات الغضب، فالطفل يتذكر الكلمة أكثر مما يتذكر السبب.
امدحي الجهد لا النتيجة، فذلك يعزز الدافعية الداخلية.
التربية ليست تربية عقول فقط، بل تربية مشاعر أيضًا. والكلمة التي نلقيها اليوم قد تصبح غدًا اعتقادًا راسخًا في نفس طفلنا.
اختاروا كلماتكم بعناية، فالكلمة قد تكون جناحًا يحلّق به الطفل، أو حجرًا يثقله طوال حياته.








اضافةتعليق
التعليقات