• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

رسالة من بين أنقاض الطفولة: حين تصبح العائلة حلمًا بعيدًا

زينب شاكر السماك / الأربعاء 12 تشرين الثاني 2025 / تربية / 827
شارك الموضوع :

الطفل الذي يُحرم من دفء الأسرة يظلّ طول عمره يبحث عن بيتٍ يسكنه القلب، لا العنوان

لم أكن أحلم بقصرٍ منيف ولا بحياة مترفة، كان كل ما أريده مجرد أسرةٍ صغيرةٍ أستظلّ بها من برد الوحدة، بيتٍ يملؤه الدفء، وحنان أمّ، وصوت أبٍ يحمل الأمان لا الصراخ. لكنّ القدر كان يسير بي في اتجاهٍ آخر تمامًا، حتى نسيتُ شكل الدفء، ونسيتُ كيف يكون الأمان.

كانت طفولتي أشبه بظلّ عابرٍ تحت سقف لا يضمّ إلا الجدران. أبي وأمي كانا دائمَي الخلاف، أصواتهما تملأ المكان توترًا، وقلبي الصغير كان يرتجف في كل مرة أسمع فيها كلمة "طلاق". كنتُ أشعر دائمًا أنني السبب في كل ما يحدث بينهما، كما لو أن وجودي كان ذنبًا يُعاد تذكيره كل يوم.

وفي ذلك اليوم المشؤوم، خرجت أمي من البيت ولم تعد. ما زلت أذكر نظراتي المرتجفة وهي تلاحقها إلى أن غابت عن الطريق الطويل وسط الغابة الموحشة. كنتُ أتصور أن الغياب مؤقت، وأنها ستعود غدًا، لكن الأيام مضت، وصوت خطواتها لم يعد. عندها فقط أدركت معنى أن تكون الطفولة وحيدةً في عالمٍ لا يرحم.

بكيت كثيرًا، صرخت حتى بحّ صوتي، وكرهت كل من كان حولي، ليس لأنهم أذنبوا، بل لأنهم بقوا بينما أمي رحلت. وعندما التقيتُها أخيرًا، ركضت إليها كطفلةٍ غرقت في بحرٍ مظلم، ترجّيتها أن تأخذني معها، توسّلت إليها بدموعي، لكنّها رفضت. لا أعرف إن كانت تخاف عليّ، أم كانت تراني ورقة ضغطٍ في حربها مع أبي.

ثم جاء القرار المدويّ من والدي: الطلاق. لم أكن أفهم ما يعنيه، لكني كنت أشعر أن العالم كله قد انهار. ومنذ ذلك اليوم، صار كل لقاءٍ بوالدتي مناسبةً لاستعادة الألم من جديد. كلّما بدأت أتأقلم، جاءت رياح اللقاء لتعيد المواجع وتوقظ الجراح القديمة.

حتى جاء يومٌ حاسم، كنتُ فيه في الخامسة عشرة من عمري، حين قررتُ أن أختار بنفسي. لم أرد أن أكون زائرةً في حياة أحد، لا في بيت أمي ولا بيت أبي. فقلتُ له يومها: "لن أذهب إلى أمي بعد الآن." كانت تلك أول مرة أقول فيها "لا" بصوتٍ واضح. لم أكن أدرك أنني حينها كنت أخلع عني جزءًا من الطفولة، وأدخل عالم الكبار محمّلةً بخساراتٍ كثيرة.

بحثت عن العائلة في أماكن أخرى، في وجوه الناس، في صدور الأصدقاء، في نظرةٍ صادقةٍ أو حضنٍ دافئ، لكني لم أجد. وعندما تزوّج والدي من امرأة جديدة، حاولتُ أن أجد في قلبها ما افتقدته من أمي. كانت امرأة طيبة، حنونة بطريقةٍ مختلفة، تحمل من المشاعر ما لم تحمله أمي، ومع ذلك لم أشعر بالأمان. كان هناك دائمًا فراغٌ داخليّ لا يملؤه أحد.

كبرت، ووعيت أكثر، وقلت لنفسي: "ربما سأصنع عائلتي بنفسي. سأبني بيتًا فيه الحب الذي افتقدته، والدفء الذي حُرمت منه." كنت أؤمن أن الزواج سيكون خلاصًا من ماضيي، وأن زوجي سيكون الوطن الذي أفتقده.

لكنّ الصدمة كانت أكبر من الحلم. لم أجد في زواجي ما كنت أبحث عنه، بل وجدت نفسي أجرّ زوجي إلى البيت جَرًّا، لأصنع أجواء الأسرة التي لم يعرفها هو أيضًا. كنت أحاول أن أزرع الأمان بيدي، لكنّ الأرض كانت قاحلة. كلما اقتربت خطوةً، ابتعد أكثر، حتى تحوّل البيت إلى مكانٍ باردٍ لا يسكنه سوى الصمت.

وهكذا، وجدت نفسي من جديد وحيدةً في طرقاتٍ شائكة، أبحث بين الأشواك عن عائلة، عن دفءٍ أضاعه النزاع بين والدين، وضاع معه توازنُ طفلةٍ كبرت وهي تحمل جراحها.

اليوم، عندما أنظر إلى المرآة، أرى في وجهي ملامح امرأةٍ متعبةٍ من البحث، لكنها لا تزال تؤمن بشيءٍ واحد: أن العائلة ليست دائمًا دمًا، بل شعورٌ يُزرع بالصدق والاحتواء.

رسالتي ليست بكاءً على الماضي، بل صرخة من فتاةٍ كانت إحدى ضحايا التشتت الأسري. أكتبها لأقول إن الطلاق لا يُنهي الخلاف فقط، بل يُنشئ وجعًا جديدًا في قلوب الأبناء، وجعًا لا تداويه السنوات.

أكتبها لأنني أدركت متأخرًا أن الأمان لا يُبنى بالجدران، بل بالمحبة التي تغيب حين يغيب التفاهم، وأن الطفل الذي يُحرم من دفء الأسرة يظلّ طول عمره يبحث عن بيتٍ يسكنه القلب، لا العنوان.

صحة نفسية
الطلاق
السلوك
الأسرة
الطفولة
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    التخطّي... حين نتعلّم أن نترك ما لا نستطيع تغييره

    التخطّي... حين نتعلّم أن نترك ما لا نستطيع تغييره

    الأربعاء 07 تشرين الاول 2026/
    أول يوم مدرسة.. حين تبدأ الحكاية قبل أن يرنّ الجرس

    أول يوم مدرسة.. حين تبدأ الحكاية قبل أن يرنّ الجرس

    الثلاثاء 29 ايلول 2026/
    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    السبت 05 ايلول 2026/
    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    الأحد 23 آب 2026/
    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    السبت 15 آب 2026/
    غريبُ الغرباء... وأنيسُ النفوس

    غريبُ الغرباء... وأنيسُ النفوس

    الخميس 13 آب 2026/

    آخر الاضافات

    من العدالة إلى النرجسية: التشريح النفسي للنسوية الحديثة

    دائرة الخوف المغلقة.. كيف تشترك أربعة مكونات حيوية ونفسية في صناعة القلق؟

    دليل اللقاحات الموسمية لمواجهة الفيروسات التنفسية: التوصيات والفئات المستهدفة

    تصوير الروتين اليومي: وهم النظام المطلق

    التضخم والصحة النفسية للشباب.. حين يتحول غلاء المعيشة إلى ضغط نفسي مزمن

    اليام البنفسجي: كنز غذائي يُسهم في تنظيم مستويات سكر الدم

    تحت شعار نقرأ لنرتقي.. جمعية المودة تقيم أمسية ثقافية بالذكرى العاشرة لتأسيس نادي أصدقاء الكتاب

    ظاهرة الكذب لدى الأطفال: جذورها النفسية وطرق العلاج

    آخر القراءات

    كيف تشعر الحيوانات بالكوارث قبل حدوثها؟

    النشر : الثلاثاء 12 تموز 2022
    اخر قراءة : منذ 47 ثانية

    حديث عقلي أم ثمة مراهنة؟

    النشر : الأثنين 27 حزيران 2022
    اخر قراءة : منذ دقيقة

    للدجاج مضار.. تعرف عليها

    النشر : الأربعاء 25 تشرين الثاني 2020
    اخر قراءة : منذ دقيقة

    عقول في المصيدة: حين تُسرق الذات تحت لافتة المعرفة السطحية

    النشر : الأثنين 14 ايلول 2026
    اخر قراءة : منذ دقيقة

    الولاء العلوي: قراءة في أبعاد المنهج وعمقه العقائدي والإنساني

    النشر : الخميس 04 حزيران 2026
    اخر قراءة : منذ دقيقة

    على حافة النافذة.. حين يطرق عرفة باب القلب

    النشر : الثلاثاء 26 آيار 2026
    اخر قراءة : منذ دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1156 مشاهدات

    تحت شعار نقرأ لنرتقي.. جمعية المودة تقيم أمسية ثقافية بالذكرى العاشرة لتأسيس نادي أصدقاء الكتاب

    • 377 مشاهدات

    التخطّي... حين نتعلّم أن نترك ما لا نستطيع تغييره

    • 344 مشاهدات

    خيوط جديدة لفهم التصلب المتعدد.. فيروس كامن والتهاب مزمن في دائرة الاشتباه

    • 335 مشاهدات

    الذكاء الاصطناعي يتنبأ بفائزي نوبل 2026.. اتفاق في الطب والأدب وخلاف حول السلام

    • 331 مشاهدات

    عمليات التجميل: هل يتغيّر الرضا بتغيّر الملامح؟

    • 326 مشاهدات

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1156 مشاهدات

    لماذا تملّ القلوب؟ قراءة نفسية وتربوية في حكمة علوية

    • 792 مشاهدات

    أصداء : حين يرمم الأثرُ انكسارَ السند

    • 564 مشاهدات

    الاستعداد النفسي للولادة.. حين تكون الطمأنينة نصف الطريق إلى الأمومة

    • 552 مشاهدات

    سننظر: منهج البحث عن الحقيقة

    • 537 مشاهدات

    الإمام الحسن العسكري… دروسٌ في صناعة المنتظر

    • 512 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    من العدالة إلى النرجسية: التشريح النفسي للنسوية الحديثة
    • منذ 9 ساعة
    دائرة الخوف المغلقة.. كيف تشترك أربعة مكونات حيوية ونفسية في صناعة القلق؟
    • منذ 9 ساعة
    دليل اللقاحات الموسمية لمواجهة الفيروسات التنفسية: التوصيات والفئات المستهدفة
    • منذ 9 ساعة
    تصوير الروتين اليومي: وهم النظام المطلق
    • السبت 10 تشرين الاول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة