• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

أمٌّ في منتصف العاصفة

زينب شاكر السماك / الأحد 23 تشرين الثاني 2025 / حقوق / 807
شارك الموضوع :

هي أمّ تعيش بين مطرقتين: عملٍ يستنزفها وبيتٍ يشتاقها، تحاول أن تقف في المنتصف دون أن تسقط

في كل مساء، حين يهدأ ضجيج العالم، تخلع الأم العاملة معطف العمل وتجلس أمام مرآتها، لا لتُصلح شعرها، بل لتتأمل وجهها الذي صار يحمل ملامح تعبٍ لا يراه أحد.

تُحادث نفسها بصوتٍ خافتٍ يتناوب بين التنهيدة والسؤال:

هل أنا أمٌّ قاسية؟

سؤال يتكرّر في أعماقها كما يتكرّر النبض، كأنه خُلق ليذكّرها بأنّ في داخلها قلبًا لم يهدأ يومًا، قلبًا يرفض أن يتصالح مع فكرة التقصير، مهما كانت الظروف.

ليست قسوتها قرارًا، بل قناع الحنان المرهق.

فهي أمّ تعيش بين مطرقتين: عملٍ يستنزفها وبيتٍ يشتاقها، تحاول أن تقف في المنتصف دون أن تسقط.

كثيرًا ما تسأل نفسها في نهاية كل يوم طويل: هل أنا صارمة أكثر مما ينبغي؟ هل فشلت في أن أكون الأم التي تمنّيتها لابنتي؟ تُحاكم ذاتها حين تضع رأسها على الوسادة، وكأنّها في محكمةٍ لا قاضٍ فيها إلا ضميرها.

هي ليست كأمّها القديمة، تلك التي كانت تنتظر ابنتها عند الباب برائحة الغداء ودفء الحنان.

اليوم، لا تملك ترف الانتظار، فبين ضغط الدوام ومتاهات المسؤوليات، يظلّ قلبها معلّقًا بابنتها.

تسمع صوتها عبر الهاتف، تتابع تفاصيلها الصغيرة من بعيد، لكنها تشعر دائمًا أنّ شيئًا ما لا يصل، أنّ المسافة ليست في الكيلومترات، بل في الحنين.

تعود ابنتها من المدرسة إلى بيتٍ هادئٍ إلا من دفءٍ محفوظٍ في الطعام المُعدّ منذ الليلة السابقة.

تتناول وجبتها وحدها، بينما أمها في عملها، بين جداولٍ مزدحمةٍ وأفكارٍ مشغولةٍ بالبيت أكثر من العمل.

وحين تعود في المساء، تحمل تعبها كحقيبةٍ ثقيلةٍ على كتفها، لكنها لا تضعها قبل أن تجلس قرب طفلتها.

تتابع دروسها بعيونٍ نصف نائمة، تُخفي رغبتها في الراحة خلف ابتسامةٍ حنونةٍ صادقة.

إنها تعرف أنّ ابنتها تحتاجها، وتعرف أيضًا أنها تحارب لتبقى قادرة على العطاء.

هي لا تهرب من أمومتها، بل تُمارسها بطريقتها الخاصة — بطريقة امرأةٍ تؤمن أن الحنان ليس فقط في الحضور، بل في السعي الدائم نحو الأمان.

ومع ذلك، لا يكفّ ضميرها عن ملاحقتها.

تحاسب نفسها على وجبةٍ تناولتها ابنتها وحدها، أو مكالمةٍ قصيرةٍ لم تُشبع الحنين.

تخاف أن تكبر طفلتها وهي لا تعرف دفء التفاصيل التي عاشتها هي في طفولتها.

لكن الزمن تغيّر، والحنان أيضًا تغيّر شكله دون أن يفقد جوهره.

الأم العاملة اليوم ليست أقلّ حنانًا، بل أكثر وجعًا، لأنها تُحبّ مرتين:

مرّةً وهي حاضرة، ومرّةً وهي بعيدة.

في المسافة بين الحنان والتعب، تنبت أشكال جديدة من الأمومة. لم تعد الأمومة تقاس بعدد الساعات التي تمضيها الأم في البيت، بل بقدرتها على البقاء حاضرةً في الغياب، ومؤثرةً رغم المسافة.

لم تعد القسوة في نبرة الصوت، بل في انطفاء القلب — وهذا ما لم تعرفه يومًا.

فهي رغم كل ما تواجهه، ما زالت تختار القرب، تختار السؤال، تختار العودة في نهاية اليوم مهما أثقلها التعب.

وفي لحظة صفاءٍ نادرة، تُدرك أن السؤال الذي يُؤرقها ليس عن القسوة، بل عن الذنب النبيل الذي يولده الحبّ الحقيقي. ذلك الإحساس الذي لا يُفارقها، يشعل في داخلها ضوءًا صغيرًا يمنعها من الاستسلام، ويذكّرها أن الأمومة ليست مثالية، بل استمرارٌ في المحاولة رغم التعب. هي تعرف أنها ليست الأم الكاملة، لكنها تعرف أيضًا أنها تحبّ بعمقٍ لا يُقاس بالوقت، بل بالمعنى الذي تزرعه في قلب ابنتها كل يوم.

وفي آخر الليل، حين ينام الجميع، تجلس في صمتٍ يشبه صلاةً طويلة بلا كلمات.

تتأمل وجه طفلتها النائم وتفكر: ربما لم أمنحها كل ما أرادت، لكنني منحتها ما استطعت — من وقتٍ مكسورٍ بالعمل، ومن حنانٍ مُرهقٍ لا يعرف الراحة. تُدرك أن الأمومة ليست تكرارًا لنسخٍ قديمة، بل فنّ ابتكار الحنان في زمنٍ صعب.

أنّ الأمهات لا يُقَسَّمن بين عاملات وربّات بيوت، بل بين من يُحببن، ومن يتخلّين — وهي من الفئة الأولى، مهما قال التعب غير ذلك.

الأم العاملة ليست قاسية، بل واقعية.

ليست غائبة، بل حاضرة بوجهٍ آخر، حضورٍ لا يُقاس بالزمن، بل بالأثر.

قد تترك وردةً على الطاولة بدل انتظارٍ عند الباب، وترسل رسالةً قصيرةً بدل عناقٍ طويل، لكن في كل ذلك حبٌّ مكتومٌ بحجم العالم، يتنفس من بين الشقوق ويكبر بصمتٍ لا يحتاج إلى شهود.

ثم تُطفئ الضوء، وتستلقي بهدوءٍ على أمل أن يحمل الغد قليلًا من الرحمة، لكنها تعرف، في أعماقها، أنّها ستنهض من جديد بالصبر ذاته، بالقلق ذاته، وبالحبّ ذاته الذي لا يشيخ ولا يُقاس، لكنه وحده يُبقيها حيّة.

الطفل
المسؤولية
التربية
القيم
العمل
الأم
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    السبت 15 آب 2026/
    غريبُ الغرباء... وأنيسُ النفوس

    غريبُ الغرباء... وأنيسُ النفوس

    الخميس 13 آب 2026/
    بعد الأربعين تبدأ المواساة… إلى أمير المؤمنين في ذكرى رحيل النبي الأكرم

    بعد الأربعين تبدأ المواساة… إلى أمير المؤمنين في ذكرى رحيل النبي الأكرم

    الأثنين 10 آب 2026/
    في قلب الطف: أختٌ بين إمامٍ ولواء

    في قلب الطف: أختٌ بين إمامٍ ولواء

    الأربعاء 15 تموز 2026/
    رحلات يومية لا تحتاج إلى حقائب

    رحلات يومية لا تحتاج إلى حقائب

    الأحد 05 تموز 2026/
    هيهات منا الذلة… عاشوراء من الصرخة إلى المعنى

    هيهات منا الذلة… عاشوراء من الصرخة إلى المعنى

    الأثنين 29 حزيران 2026/

    آخر الاضافات

    من هدي الإمام الحسن العسكري: الصلاة على محمد وآل محمد

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    تقبّل.. فما حدث قد حدث

    كانديدا أوريس.. فطر مقاوم يثير القلق في مرافق الرعاية الصحية

    الإمام الحسن العسكري عليه السلام: القيادة في ظل الرقابة العباسية

    مد يد العون وأهمية النصيحة

    عرض كتاب: فكرة الرسم وكيف يساعدنا الرسم على الملاحظة والاكتشاف والاختراع

    عسر الهضم.. خطوات بسيطة في المنزل قد تساعد على تخفيف الأعراض

    آخر القراءات

    ظهور الشعر الأبيض.. ماهي أسبابه وكيف يمكن منعه أو تأخيره؟

    النشر : الأحد 18 تموز 2021
    اخر قراءة : منذ 12 دقيقة

    تحت جليد المدفأة

    النشر : الثلاثاء 11 آيار 2021
    اخر قراءة : منذ 13 دقيقة

    تعرف على أفضل المكملات الغذائية المفيدة للدماغ

    النشر : السبت 22 شباط 2020
    اخر قراءة : منذ 13 دقيقة

    من لا يحترم وعده لا يحترم نفسه

    النشر : السبت 16 شباط 2019
    اخر قراءة : منذ 13 دقيقة

    يتيم على باب المدرسة

    النشر : الثلاثاء 27 ايلول 2016
    اخر قراءة : منذ 13 دقيقة

    ليست فقط للزينة.. فوائد استخدام الزهور في منزلك

    النشر : الخميس 31 آذار 2022
    اخر قراءة : منذ 13 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 819 مشاهدات

    جمعية المودة والازدهار تنظم جلسة حول هندسة الوعي وبناء الحصانة الفكرية في المنتدى النسوي

    • 400 مشاهدات

    أفكار ذكية لغرفة المعيشة في شقة اقتصادية

    • 394 مشاهدات

    الوداع النبويّ .. وقبلة الأحزان في خطر

    • 349 مشاهدات

    حقن نفسه ببكتيريا عمرها 3.5 مليون سنة: هل اكتشف إكسير الخلود أم فتح أبواب الجحيم البيولوجي؟

    • 307 مشاهدات

    الإفراط في تصفح الإنترنت قد يفاقم التوتر والمشاعر السلبية.. دراسة تكشف السبب

    • 300 مشاهدات

    الأسرة التي تصنع الأبطال: قراءة تربوية في بيت الإمام الحسين

    • 1011 مشاهدات

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 819 مشاهدات

    شمس الأنبياء.. وداع الأمة الأخير

    • 727 مشاهدات

    من جابر إلى صاحب الزمان… فلسفة المشاركة في نهضة الإمام الحسين

    • 625 مشاهدات

    الرسول الأكرم وبناء ثقافة التسامح: رحمةٌ واعية وعدلٌ يحفظ الحقوق

    • 599 مشاهدات

    العفة وضبط النفس في ادارة الرغبات

    • 595 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    من هدي الإمام الحسن العسكري: الصلاة على محمد وآل محمد
    • منذ 8 ساعة
    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة
    • منذ 8 ساعة
    تقبّل.. فما حدث قد حدث
    • منذ 8 ساعة
    كانديدا أوريس.. فطر مقاوم يثير القلق في مرافق الرعاية الصحية
    • منذ 8 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة