• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

خذلان باسم الأبوة

زينب شاكر السماك / الخميس 25 ايلول 2025 / تربية / 1461
شارك الموضوع :

كيف يكون الأب أقسى من الغياب، وأشدّ فتكاً من الموت، حين يختار أن يعق ابنته باللامبالاة

في زحام الأصوات المليئة بالحنين، جلست فتاة تصغي لأحاديث زميلاتها عن آباء يشبهون الحصون. إحداهن تروي عن أبٍ لم يعرف الكلل، يسهر ليوفر لها ما تريد، وأخرى تتغنّى بضحكاته وحكاياته التي تملأ بيتها دفئاً، وثالثة تبكي والدها الذي ابتلعه الموت لكنه ظل حياً في تفاصيلها، ورابعة تعترف أن أباها المريض صار طفلها الذي ترعاه بكل فخر. أما هي، فكان صمتها أبلغ من كل الكلمات، وكان قلبها يرتجف من سؤالٍ تعرف أنه سيأتي: “وأنتِ، ماذا عن أبيك؟”.

كيف تُجيب؟ ماذا تقول عن رجلٍ لم يمت، ولم يغب بجسده، لكنه لم يحضر يوماً بروحه؟ كيف تصف أباً كان موجوداً في البيت، لكنه كان غائباً عن الحياة، عن الأحاديث، عن لحظات الحنان الصغيرة التي تُبنى بها ذاكرة الأبوة؟ لقد حاولت أن تفتش في أرشيف طفولتها عن مشهد واحد يجمعها به، عن كلمة دعم، عن ابتسامة رضا، لكنها لم تجد إلا بروداً يجلدها وصمتاً يُرعبها.

كانت هي الوحيدة بين إخوتها، تظن أنها مدللته، لكنها كانت أكثرهم انكساراً. ظلت تراه بطلاً في خيالها، ثم بطلاً سقط، ثم شبحاً يُخيفها ولا يؤنسها. لقد كبُرت وهي تحمل في قلبها سؤالاً مُلتهباً: لماذا لم يكن أبي أباً كما ينبغي؟ لماذا لم أحب في عينيه ملامحي؟ لماذا كنتُ غريبة في حضرته؟.

هذا هو العقوق الذي لا يُكتب عنه كثيراً: عقوق الأب لابنته. عقوق لا يُقاس بالصوت المرتفع أو اليد الغاضبة، بل بغياب الحضور، بقتله المعنوي للطفولة، بحرمانها من أبسط حقوقها: أن تشعر أن لها مكاناً في قلبه. إن الأب حين يعق ابنته لا يسلبها لحظة عابرة، بل يسلبها ثقتها بذاتها، يتركها تكبر وفي قلبها سؤال ملتهب: “أي ذنب فيَّ جعلني غير كافية لأحظى بأب يحتويني؟”.

لقد كبُرت وهي تتعلم أن تحمل أعباءها وحدها، أن تكون صلبة في وجه الانكسار، أن تبحث في داخلها عن سندٍ يفترض أن يكون خارجها. لكنّ القوة المبكرة ليست بطولة، بل جرح مغلف بالصلابة. كل فتاة تحتاج إلى أبٍ يعلّمها أن العالم مكان آمن، أن الرجال يمكن أن يكونوا عطاءً لا تهديداً، أن قلبها يستحق أن يُحاط بالحب. وحين يتخلى الأب عن هذه المهمة، فإنه لا يعق ابنته وحدها، بل يعق مستقبلها، يعق نظرتها للعلاقات، ويعق صورة الرجل في خيالها كله.

في أعماق النفس، يترك العقوق ندوباً خفية لا تراها العيون. ذلك العقوق الذي مارسه والدها لم يسرق طفولتها فحسب، بل انتزع منها صورة الرجل في حياتها كلها. تركها تسير تائهة، تبحث عن الأمان في وجوه الآخرين، أو تهرب من فكرة الرجل خشية تكرار الخذلان. حاولت مراراً أن ترسم له ملامح أب صالح في خيالها، أن تمنحه صورة تستحقها، لكن كل محاولاتها كانت تتكسر بين يديها كما تتشظى المرآة المشروخة، التي لا يمكن أن تعكس وجهاً كاملاً أبداً.

إن عقوق الأب لابنته جريمة صامتة، لا تُسجّل في دفاتر القضاء ولا تُعاقبها القوانين، لكنها تزرع ندوباً في الروح لا يراها أحد. الأب الذي يعق ابنته لا يعقها في حاضرها فقط، بل يُعقّد مستقبلها أيضاً، يحرمها من التوازن العاطفي، من الأمان، من صورة الرجل الذي تستحق أن تراه سنداً لا شبحاً.

لقد كان يمكن لتلك الفتاة أن تتحدث بين زميلاتها عن أبٍ عظيم كما يفعلن، لكنّها لم تجد ما تقوله سوى صمتٍ ثقيل. صمتها كان مقالاً، ودمعتها كانت شهادة. وحين التفتت إلى ذاتها سألت سؤالاً لا يُجاب: كيف يكون الأب أقسى من الغياب، وأشدّ فتكاً من الموت، حين يختار أن يعق ابنته باللامبالاة.

قصة
السلوك
العاطفة
الحزن
الأب
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    أول يوم مدرسة.. حين تبدأ الحكاية قبل أن يرنّ الجرس

    أول يوم مدرسة.. حين تبدأ الحكاية قبل أن يرنّ الجرس

    الثلاثاء 29 ايلول 2026/
    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    السبت 05 ايلول 2026/
    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    الأحد 23 آب 2026/
    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    السبت 15 آب 2026/
    غريبُ الغرباء... وأنيسُ النفوس

    غريبُ الغرباء... وأنيسُ النفوس

    الخميس 13 آب 2026/
    بعد الأربعين تبدأ المواساة… إلى أمير المؤمنين في ذكرى رحيل النبي الأكرم

    بعد الأربعين تبدأ المواساة… إلى أمير المؤمنين في ذكرى رحيل النبي الأكرم

    الأثنين 10 آب 2026/

    آخر الاضافات

    عمليات التجميل: هل يتغيّر الرضا بتغيّر الملامح؟

    كلمات تبني الطفل.. حين يصبح الحب مسموعًا

    الكتابة ليست مجرد هواية.. كيف تعيد تشكيل الدماغ وتقوي المرونة النفسية؟

    أثر العدوان اللفظي في تربية الأطفال

    ثمانية تجعلك تسعى للتقرب من أصدقاء أبنائك ومصادقتهم

    خيوط جديدة لفهم التصلب المتعدد.. فيروس كامن والتهاب مزمن في دائرة الاشتباه

    ما الذي تمنحه الألعاب للكبار؟

    التخطيط الناجح.. أربعة أعمدة تصنع الفرق

    آخر القراءات

    اكسير الحياة وكيمياءُ الروح

    النشر : السبت 15 شباط 2025
    اخر قراءة : منذ 40 دقيقة

    غانم المفتاح: المعجزة

    النشر : الأربعاء 07 كانون الأول 2022
    اخر قراءة : منذ 40 دقيقة

    كتب تَبْنِي مجتمعات

    النشر : الأربعاء 12 شباط 2025
    اخر قراءة : منذ 40 دقيقة

    انخفاض عدد ساعات النوم يرفع من أخطار أمراض القلب

    النشر : الأحد 01 حزيران 2025
    اخر قراءة : منذ 40 دقيقة

    هل يمكن أن يكون الخجل شيئًا خطيرا على الأطفال؟!

    النشر : الخميس 04 آيار 2023
    اخر قراءة : منذ 40 دقيقة

    ماهو الرابط بين التدخين وكورونا؟

    النشر : الأحد 22 تشرين الثاني 2020
    اخر قراءة : منذ 40 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    الأجهزة المحمولة تهدد بشرة الأطفال بـمتلازمة الجلد المحمص

    • 312 مشاهدات

    التربية الإسلامية للطفل.. من الرعاية المبكرة إلى بناء الشخصية

    • 310 مشاهدات

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (١)

    • 303 مشاهدات

    فيتامين "F".. التسمية القديمة لأحماض دهنية أساسية تحمي القلب والدماغ والبشرة

    • 300 مشاهدات

    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    • 299 مشاهدات

    التمايز الذاتي: كيف نحمي أنفسنا من الاستنزاف العاطفي؟

    • 293 مشاهدات

    لماذا تملّ القلوب؟ قراءة نفسية وتربوية في حكمة علوية

    • 763 مشاهدات

    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر

    • 622 مشاهدات

    الاستعداد النفسي للولادة.. حين تكون الطمأنينة نصف الطريق إلى الأمومة

    • 525 مشاهدات

    سننظر: منهج البحث عن الحقيقة

    • 517 مشاهدات

    أصداء : حين يرمم الأثرُ انكسارَ السند

    • 490 مشاهدات

    الإمام الحسن العسكري… دروسٌ في صناعة المنتظر

    • 488 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    عمليات التجميل: هل يتغيّر الرضا بتغيّر الملامح؟
    • منذ 14 ساعة
    كلمات تبني الطفل.. حين يصبح الحب مسموعًا
    • منذ 14 ساعة
    الكتابة ليست مجرد هواية.. كيف تعيد تشكيل الدماغ وتقوي المرونة النفسية؟
    • منذ 14 ساعة
    أثر العدوان اللفظي في تربية الأطفال
    • الأثنين 05 تشرين الاول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة