كثيراً ما نصطدم في حواراتنا اليومية بذاك النمط من الشخصيات الذي ينصب نفسه حكماً أوحداً على الحقيقة؛ يسارع بالمقاطعة قبل تمام الفكرة ويواجه كل طرح بعبارات معلبة مثل: "أنت مخطئ"، "راجع معلوماتك" أو "أنا أعرف الحقيقة المطلقة". يظهر هذا الشخص وكأنه "مركز الكون" الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فهل هذا الاعتداد المبالغ فيه نابع من سعة علم، أم هو ستار يداري خلفه هشاشة نفسية عميقة؟
ما وراء "وهم المعرفة"
تسمي السيكولوجيا هذه الحالة بـ "وهم المعرفة المطلقة" (Illusion of Omniscience). في الواقع، هذا الشخص لا يدافع عن فكرة أو حقيقة موضوعية بل يستميت في الدفاع عن "أناه" المتضخمة. إن إصراره على أنه "دائماً على حق" ليس إلا آلية دفاعية لحماية شخصية تعاني من الخواء المعرفي والتخلف الفكري. هو لا يرى في الحوار جسراً للتعلم بل يراه ساحة معركة، الغرض منها ليس الوصول إلى الصواب بل "نشوة الانتصار" وفرض السيطرة.
دراسة في العمق: تأثير "دونيج-كروجر" (Dunning-Kruger Effect)
لإضفاء صبغة علمية على هذا السلوك نجد أن التفسير الأدق يكمن في الدراسة الشهيرة التي أجراها عالما النفس ديفيد دونيج وجاستن كروجر.
مضمون الدراسة:
تنص هذه النظرية على أن الأشخاص ذوي الكفاءة المحدودة يعانون من "انحياز معرفي" يمنعهم من إدراك قلة خبرتهم. ونتيجة لذلك، يبالغون في تقدير مهاراتهم ومعارفهم بشكل مفرط.
المفارقة المذهلة: وجدت الدراسة أن المتخصصين والعلماء الحقيقيين هم الأكثر ميلاً لقول "لا أعرف" أو "ربما أكون مخطئاً" لأن إدراكهم لاتساع العلم يجعلهم يدركون حجم ما يجهلون. أما الشخص "الجامد فكرياً" فهو يغرق في "بئر الجهل" ولا يرى أبعد من حدود رأيه الضيق.
الجمود الفكري: سجن العقل
هذا السلوك هو النموذج الحي لما يعرف بـ "الجمود الفكري" (Cognitive Rigidity). العقل هنا ليس أداة للتفكير بل هو "صندوق مغلق". عندما يرفض الإنسان احتمال الخطأ فإنه يحرم نفسه من أرقى التجارب الإنسانية: تجربة التطور. إن كبار العلماء والمفكرين لم يترددوا يوماً في تغيير فرضياتهم عند ظهور دليل جديد لأنهم يدركون أن الحقيقة أعظم من أن يحتكرها عقل واحد.
فماذا لو جرب هذا الشخص ولو لمرة واحدة أن ينطق بكلمة: "ربما أنت على حق"؟ إن هذه الجملة ليست علامة ضعف، بل هي ذروة النضج الفكري.
إن الإصرار على الصواب الدائم هو "إعاقة معرفية" تمنع صاحبها من النمو في نهاية المطاف من يرفض أن يخطئ يرفض أن يتعلم، ومن يرفض أن يتعلم، يظل أسيراً لجهله مهما حاول التظاهر بالعظمة.








اضافةتعليق
التعليقات