في عوالم تضجّ بأصواتٍ صاخبة، وتزدحم بوجوهٍ تطلب الشهرة تحت ستار "التأثير"، تطلّ علينا ذكرى ولادة الأقمار المحمدية، وفي طليعتها سطوع نجم علي الأكبر بن الحسين (عليهما السلام). تلك الولادة التي لم تكن مجرد رقم في سجل الزمان، بل كانت إعلاناً عن تجسيد حي لجمال الخَلق وخُلق الأنبياء في ريعان الشباب.
وها نحن نعيش زيف الواجهات ووهْم الرسالة زمنٍ اختلطت فيه المفاهيم، حيث يتصدر المشهد شبابٌ يحسبون أنهم يمتلكون "رسالة"، ويظنون أن حشد المتابعين وصخب الإعجابات هو معيار التأثير الحقيقي هؤلاء الذين غرقوا في قشور المظاهر، وباتت قصارى جهودهم حصد الأضواء، سقطوا في فخ الأنانية بينما يوهمون أنفسهم بخدمة المجتمع؛ إنها أنانية الوهم الذي صنعوه للشباب بينما لم يكن هدفهم إلا المادة والاسترزاق كما يُطلقون عليه!.
إنها مأساة البحث عن القدوة في الأماكن الخطأ حين ينظر الشاب إلى مؤثر لا يملك من الرصيد إلا إظهار الموضة أو كلمات فارغة من العمق الأخلاقي، فتجده يغضّ طرفه وروحه عن المنبع الصافي، ويستبدل الثريا بالثرى. هؤلاء الذين يدّعون التأثير وهم بعيدون كل البعد عن الأهداف السامية، إنما يبنون قصوراً من رمل، تذروها رياح الحقيقة عند أول اختبار للقيم. وهنا يظهر ابن أفضل الخلق على الضفة الأخرى، يقف شامخاً، ليس فقط كبطل تاريخي، بل كمنهج حياة يتحدى الزمان. فهو الذي قال فيه أبوه الحسين (ع): "اللهم اشهد فقد برز إليهم غلامٌ أشبه الناس خَلْقاً وخُلُقاً ومنطقاً برسولك" إنهُ القدوة التي لا تشيخ.
إن سرّ عظمة علي الأكبر يكمن في ثلاثة أبعاد غابت عن (مؤثري) هذا الزمان كما يُطلقون على أنفسهم.
وهو وضوح الهدف فلم يكن سيدنا يبحث عن حضورٍ ذاتي، بل كان يقول: "يا أبتِ، أفلسنا على الحق؟ إذن لا نبالي أوقعنا على الموت أو وقع الموت علينا" هذا هو التأثير الحقيقي أن ترتبط بقضية كبرى تتجاوز حدود الأنا.
كما كان التوازن بين الجمال والجوهر الذي يحمله فقد كان يجمع بين وسامة الوجه وعمق الروح، وبين رهافة المنطق وصلابة الموقف لم يكن جماله قشرة خارجية، بل فيضاً من طهارة النفس وكانت رسالته الصادقة دماً يُبذل في سبيل الحق، وليس شعارًا يُرفع فلم يطلب تصفيقاً من أحد، بل طلب رضا الخالق ونصرة المظلوم.
هنا يجب أن نعود إلى المنبع في إختيار القدوة لنا والدعوة اليوم ليست لمجرد الاحتفاء بذكرى ولادته، بل هي دعوة لـ "ثورة وعي" لدى الشباب فإن ميزان القدوة لا يُقاس بعدد المشاهدات، بل بمدى القرب من الفضيلة الإنسانية التي جسدها علي الأكبر، إن غض الطرف عن هذا النبراس والالتفات نحو "أصنام السوشيال ميديا" هو خيانة للروح التواقة للكمال، علي الأكبر هو الشاب الذي علّم التاريخ أن الشباب ليس مرحلة طيش، بل هو قمة العطاء والوعي هو الذي يثبت أن التأثير الحقيقي يبدأ من تهذيب النفس أولاً، ثم الانطلاق لإصلاح العالم.
وفي يوم ولادة علي الأكبر، على كل شاب يبحث عن بصمة حقيقية أن يسأل نفسه: من هو مرآتي؟ هل هي تلك الوجوه الزائلة التي تقتات على لفت الانتباه؟ أم هو ذلك الشاب الهاشمي الذي كان "شبيه المصطفى"، والذي اختصر طريق الخلود بكلمة حق وموقف صدق؟
ولا زال طريق علي الأكبر متاح لكل من أراد أن يكون مؤثراً "حقاً"، لا وهماً مُزيفا، ولِمن أراد أن يتخذ هذهِ الشخصية قدوةٌ فيها صلاح الدين والدنيا.








اضافةتعليق
التعليقات