في يومِ المبعثِ النبويّ الشريف، لا يقفُ الزمنُ عندَ ذكرى تاريخيّةٍ عابرة، بل تنفتحُ أبوابُ السماء على الأرض، ويُستعادُ الوعدُ الإلهيّ الذي غيّر مسارَ الإنسانيّة، حين اختارَ اللهُ تعالى محمّدًا (صلى الله عليه واله وسلم) ليكونَ رسولَ الرحمة، وحاملَ النور، ومفتاحَ الخروج من ليلِ الجاهليّة إلى فجرِ الهداية.
إنّ المبعثَ ليس حادثةً في سجلّ الأيام بل هو ميلادُ الوعي وانبعاثُ الإنسان من ركامِ الظلمات؛ يومٌ نزلت فيه الكلمةُ الأولى: اقرأ لتعلن أنّ طريقَ الله يبدأ بالمعرفة وأنّ الإيمانَ لا يُبنى على الغفلة، بل على البصيرة، وأنّ الرسالةَ الخاتمة جاءت لتُعيد للإنسان كرامته، وللقلب طهارته، وللحياة معناها
لقد تمثّلت مقاصدُ الرسالةِ النبويّة في مشروعٍ إلهيّ عظيم، غايته إخراجُ الناس من ظلماتِ الشرك والجهل والظلم والتفرقة إلى نورِ التوحيد والعدل والرحمة والإنسانيّة. لم يكن النبيّ (صلى الله عليه واله) داعيةَ طقوسٍ جامدة بل صانعَ إنسان، ومربّيَ نفوس ومقيمَ ميزانٍ تُوزنُ فيه القيم قبل الأفعال جاء ليقول للقلوب التائهة إنّ الله قريب، وللمكسورين إنّ الرحمةَ تسعهم، وللضعفاء إنّ الكرامةَ حقٌّ لا يُسلب.
إن إحياءُ يومِ المبعث ليس احتفالًا بالشكل دون الجوهر، ولا ترديدًا للأقوال دون الأثر، بل هو عودةٌ صادقة إلى السيرةِ النبويّة بوصفها منهجَ حياة هو أن نُحيي هذا الفضل العظيم بتجديد العهد مع أخلاق الرسول الاكرم، أن نقرأ سيرته لنرى كيف كان القرآن يمشي على الأرض، وكيف تُترجم القيم إلى مواقف والعبادة إلى عدل والحبّ إلى عطاء.
ولابد أن ندرك حقيقة هذا اليوم بإحياءه فيوم المبعث يكون حين نُحيي النور الذي بُعث به في سلوكنا، وكلماتنا ونظرتنا إلى الإنسان وفي هذا اليوم تتجدّدُ الحقيقةُ الكبرى التي تظهر بحكمة بالغة وهي: أنّ الطريقَ إلى الله تعالى لا يُقاسُ بالعمر ولا تُحدّه السنوات فالقربُ من الله ليس حكرًا على زمنٍ معيّن ولا مرحلةٍ عمريّة بل هو ثمرةُ صدقِ النيّة وجهادِ النفس وإخلاصِ السعي، فكم من قلبٍ بلغَ منازلَ عاليةً في القرب وهو في ريعان شبابه، وكم من روحٍ أشرقت أنوارُها في لحظةِ وعيٍ صادق، لأنّ الله يُقاسُ بالقلوب لا بالأعمار.
فلنغتنم يومَ المبعث بوصفه دعوةً مفتوحة للنهوض الروحيّ، ولنجدّ ونجتهد في السير نحو الله، متّخذين من الحبيب المصطفى (صلى الله عليه واله وسلم) دليلًا، ومن أخلاقه زادًا ومن رسالته نورًا لا ينطفئ. فالمبعثُ ليس ذكرى تُحفظ بل رسالة تُعاش، وطريقُ قربٍ يبدأ بخطوة صدق، وينتهي عند رضوان الله.








اضافةتعليق
التعليقات