في زمنٍ تُقاس فيه القيمة بعدد الإعجابات، ويُختصر الفكر في “ستوري”، يبدو الحديث عن العظماء وكأنه حنينٌ رومانسي لعصرٍ انقضى. كأن العبقرية توقفت عند أبواب المطابع، ولم تدخل عالم الخوارزميات. لكن السؤال الحقيقي ليس: أين العظماء؟
بل: هل ما زلنا نملك الصبر لرؤيتهم؟
العظمة لم تكن يومًا صنيعة ضوءٍ قوي، بل نتاج ظلال طويلة. المتنبي لم يكن “ترندًا”، وابن سينا لم يحتج جمهورًا لحظيًا، والجاحظ لم يكتب ليُشارك، بل ليبقى. كانوا أبناء أسئلة مؤلمة، وعزلة فكرية، وصراع مع السائد. العظمة، في جوهرها، فعل مقاومة… مقاومة السطح، والكسل العقلي، والتكرار.
اليوم، تغيّر المشهد. لم يعد الصمت فضيلة، بل تهمة. من لا يتكلم باستمرار يُنسى، ومن لا يظهر يُقصى. السوشيال ميديا لم تقتل الفكر، لكنها جعلت الطريق إليه أكثر وعورة. فهي تكافئ الخفيف لأنه سريع، وتُهمل العميق لأنه يحتاج وقتًا. ومع ذلك، لا ذنب للمنصّة؛ الذنب في الذائقة التي تعلّمت أن تُمرّر لا أن تتأمّل.
وسط هذا الضجيج، يظهر الذكاء الاصطناعي كمرآة مخيفة. يكتب، يلخّص، يحاكي، ويُدهش. لكنه، رغم براعته، لا يقلق. لا يشكّ. لا يتألم. هو بارع في الإجابة، عاجز عن طرح السؤال الذي يُربك التاريخ. العبقرية لا تسكن في سرعة الإنتاج، بل في الشرارة الأولى للسؤال، وفي الجرأة على السير عكس التيار.
هل يعني هذا أن زمن العظماء انتهى؟ الجواب... أبدًا.
لكنهم اليوم لا يقفون على المنصّات، بل في الهوامش. لا يصرخون، بل يفكّرون. لا ينافسون على المتابعة، بل على المعنى. قد يكون أحدهم طالبًا يقرأ أكثر مما يتكلم، أو باحثًا يرفض التبسيط المخلّ، أو كاتبًا لا يجد ناشرًا لأنه لا يُجامل الذائقة السائدة. هؤلاء لا يُرى أثرهم الآن، لكن التاريخ لا يعمل بنظام الإشعارات.
أما مشاهير اللحظة، فهم جزء من المشهد لا من المشكلة. بعضهم صادق، وبعضهم عابر. لكن الخطر الحقيقي حين نخلط بين التأثير والضجيج، وبين الحضور والعمق. فليس كل من أضاء شاشةً أنار عقلًا.
العظمة لا تُصنع بالخوارزميات، ولا تُختصر في مقطع. هي عملية بطيئة، مؤلمة أحيانًا، تتطلّب بيئة تحترم السؤال، وتمنح الفكرة وقتها، ولا تسخر من التفكير الطويل.
السؤال المصيري إذن ليس: هل سيولد العظماء؟
بل: هل سنربّي أجيالًا قادرة على تحمّل عمقهم؟
إن فعلنا، سيظهرون… ربما متأخرين، لكنهم حين يظهرون، سيجعلون هذا الضجيج كلّه مجرد هامش.








اضافةتعليق
التعليقات