إن أكثر الأمور تأثيراً في الإنسان هو الزمن الماضي في حياته. وخصوصاً ماضي الطفولة، فبعض الناس يعيشون ذكريات الماضي حتى ولو مضى عليه عشرات السنين، وهذا من أخطر الأمور، وذلك لأن الماضي يترك تأثيره على حاضر الإنسان.
فما الماضي إلا حلم، وما المستقبل إلا رؤية، وعيشك الحاضر بحب تام لله سبحانه وتعالى، تجعل من الماضي حلماً من السعادة، ومن المستقبل رؤية من الأمل.
سأل التلميذ أستاذه: ما هي الأشياء التي أثرت عليك في حياتك فقال: "أنا هنا الآن في هذا الوقت بهذه الصورة، أما الماضي فقد انتهى بكل ما فيه، وأنا لا أستخدم قصص الماضي لكي يتقبلني المجتمع ! فقال له : ولكن أليس الماضي جزءاً من حياتنا ؟ فقال : نعم ولكنه كان، أما الآن ليس له وجود، فلو عشت فيه ستجد أنك ستعاني منه. وقال : دعني أسألك: هل السيارة تسير بوقود الشهر الماضي؟ فقال : لا بالوقود الذي وضعته اليوم ثم سأل: والطائرة هل تطير بوقود الشهر، فقال : طبعاً لا لأنه نفذ وانتهى . فقال : تماماً مثل ماضي الإنسان هو فقط تجارب وخبرات وعلم ومهارات لا أكثر ولا أقل، ولكن معظم الناس تعيش في الماضي، فلو كانت تجاربه سلبية فهو يشعر بالحزن في وقته الحالي، مع أن ما حدث له كان في وقت ماض، ولو كانت تجارب الماضي إيجابية ويقارن الشخص بين هذه التجارب وكيف أنه كان سعيداً، ويقارن بين ذلك الوقت وبينه في الوقت الحاضر، فيسبب لنفسه الشعور بالإحباط بسبب هذه المقارنة".
لا يستطيع الإنسان أن يعيش بجسده في أي وقت مضى، ولكنه يستطيع أن يعيش فيه بأفكاره وذهنه، وبذلك فهو يشعر بنفس الأحاسيس التي شعر بها عندما كان في الماضي، فلو كانت سلبية تتراكم وتصبح قوة تعمل ضده، فلو أردت أن تكون فعلاً سعيداً كن في الوقت الحاضر .
قال الدكتور الفقي : جاءت سيدة في الأربعينات من عمرها لمقابلتي في عيادتي بمونتريال وكانت في حالة سيئة للغاية وكانت تبكي مثل الطفل الذي فقد أمها فسألتها ما الذي جعلها تشعر بهذه الأحاسيس؟
فأجابت: إنها والدتي فقد ضربتني بقسوة عندما كان عمري أربع سنوات مما سبب لي الخوف منها فكنت أتفاداها حتى لا تضربني مرة أخرى، وعندما كبرت في السن وجدت نفسي أتفادى أي شخص يكون أكبر مني في العمر أو حتى في المركز، وعند مرور الوقت وجدت نفسي أتفادى أي شخص حتى ولو كان أصغر مني واستمرت معي هذه الحالة طوال حياتي لذلك رفضت الزواج وأنا الآن وحيدة تماماً وأشعر بالضياع ولا أعرف ماذا أفعل.
تقول د. خي: كثير من مرضاي يقولون أنه ليس باستطاعتهم أن يكونوا سعداء لأنهم مجروحون من الماضي. ولأنهم لم يحققوا شيئاً مما كان عليهم القيام به. ولأنه لم يعد لديهم ما يغالون به أكبر المغالاة في حياتهم. لأنهم جرحوا ولا يستطيعون أن يحبوا، شيء مؤذ حدث في الماضي وما زالوا يتذكرونه ولأنهم يوماً فعلوا شيئاً شنيعاً ويلعنون أنفسهم بسبب ذلك ولأنهم لا يستطيعون السماح ولا يستطيعون النسيان. التذكر الدائم للماضي يعني أن نتسبب لأنفسنا بالألم الدائم، الذين ظلمونا لا يهمهم الأمر.
لذلك لا يوجد أي مغزى لتركيز أفكارنا على الماضي. لقد ذهب الماضي ولا يمكن تغييره لكن يمكن تغيير تعاملنا تجاهه.
دعونا ننظر إلى الماضي كذكرى فقط، فإذا تذكرتم ماذا كنتم ترتدون في الصف الثالث، فإن هذه الذكرى ستكون بدون أي تقييم عاطفي. كذلك يمكنكم معاملة كل أحداث ماضيكم.
فبقدر تحررنا يصبح باستطاعتنا أن نستخدم كل قوتنا العقلية في أداء أعمالنا للحظة الراهنة. راقبوا مجدداً ردة فعلكم. ما الذي يلزمكم من أجل ذلك؟ وما هي درجة مقاومتكم للنسيان من أجل ذلك؟ ولأي درجة تريدون أو اصبحتم جاهزين لمفارقة ماضيكم؟
اضافةتعليق
التعليقات