لسنا بحاجة إلى تفاصيل جديدة، ولا إلى تسجيلات إضافية، ولا إلى صخب يعلو فوق صخب. ما حدث مؤلم بما يكفي، لكن ما جرى بعده كان أشد إيلاماً. إن الفاجعة الحقيقية ليست في موت فتاة أو في ظروف غامضة تحيط بها، بل في الطريقة التي تعاملنا بها مع موتها. هنا تتكشف مأساة أكبر: مأساة مجتمع يستهين بالموت، يهتك حرمة الميت، ويركب موجة كل حدث بلا وعي، حتى تحولت القيم الأخلاقية إلى شعارات مهترئة.
إن الاستهانة بالموت ليست مسألة عابرة، بل جرح في الوعي الجمعي. الموت، الذي كان قديماً يوقف القلوب ويذكر الناس بحقيقة مصيرهم، صار عندنا خبراً عاجلاً على شريط الأخبار، أو مقطع فيديو يتداوله الملايين بفضول بارد. فقدنا رهبة الرحيل الأخير، وأصبحنا نستهلك المآسي كما نستهلك أي مادة إعلامية. وفي هذا الاستهلاك المفرط، لم نعد نرى الإنسان الذي رحل، بل صرنا نرى "القصة" فقط، نتداولها ونستهلكها ونتركها حين يظهر غيرها. هذه الاستهانة هي وجه آخر لموت الضمير، لأن من لا يقف عند الموت باحترام، لن يقف عند الحياة بقيمة.
وإذا كان الاستهانة بالموت قد صارت عادة، فإن انتهاك حرمة الميت صار كارثة أكبر. جسد خامد، روح فارقت الدنيا، ومع ذلك تتحول إلى مادة مصوَّرة تُبث للعالم بلا أي وازع من دين أو أخلاق. في ديننا، حرمة الميت أعظم من حرمة الحي، لكننا نحن الذين ندّعي التمسك بالقيم شاركنا – بوعي أو بغير وعي – في هتك هذه الحرمة حين تناقلنا المشاهد، وتلذذنا بمناقشة تفاصيلها. وكأن الميت لم يعد إنساناً له حق الستر، بل مجرد مادة لإثبات المواقف. والأخطر أن كثيرين برروا ذلك بأنهم يريدون "إظهار الحقيقة"، متناسين أن الحقيقة المطلقة بيد الله وحده، وأن دورنا ليس في فضح المستور بل في الدعاء بالرحمة لمن رحل.
لكن الوجه الثالث للمأساة يكمن في ركوب الموجة. نحن شعوب يمكن التأثير في عقولها خلال لحظات، بضغط زر أو بانتشار وسم. نصبح فجأة خبراء في السياسة والاجتماع والدين والنفس، نركض خلف أي قضية، نطلق الأحكام، ثم نتركها حين تأتي موجة أخرى. كل مأساة تُستغل: سياسياً لتصفية الحسابات، عاطفياً لاستدرار الدموع، وإعلامياً لصناعة الترند. لا وقت للعقل ولا مكان للتثبت، المهم أن نكون جزءاً من الضجيج. وهكذا تتحول المأساة إلى فرصة، والموت إلى مادة للاستهلاك، والإنسان إلى سلعة في سوق مفتوح.
الجانب الأخطر أن هذا النمط من السلوك لا يقف عند قضية واحدة، بل يعكس تحولاً خطيراً في وعينا الجمعي. نحن نعيش في زمن تُسحق فيه القيم بسرعة الضوء. موت إنسان لا يوقفنا، وصورة ميت لا تمنعنا من التناقل، وأي موجة لا نتردد في ركوبها. ما الذي بقي إذن من إنسانيتنا؟ هل صار الضمير رفاهية يمكن الاستغناء عنها؟ أم أننا فقدنا الإحساس العميق بأن للروح قداسة لا يحق لنا انتهاكها؟
إن ما جرى هو جرس إنذار: إذا لم نستفق الآن، فكل مأساة قادمة ستتحول إلى عرض إعلامي جديد، وكل روح ستفقد معناها بين الشاشات، وكل ضمير سيواصل الغياب. الفتاة التي رحلت بين يدي الله لا تنتظر منّا محاكمات ولا جدالات، بل دعاءً صادقاً بأن يرحمها ويسترها. أما نحن، فنحن من نحتاج أن نعيد بناء وعينا وأخلاقنا. أن نفهم أن الموت ليس مشهداً نتسلى به، بل درساً نخشع أمامه. أن نؤمن أن الميت ليس مادة للنشر، بل إنسان أمانة يجب ستره. أن نُدرك أن الموجة ليست دائماً حقيقة، بل قد تكون أداة لمسخ العقول.
المسألة في النهاية ليست عن حادثة بعينها، بل عنّا نحن. عن شعوب فقدت الإحساس بقيمة الحياة والموت، وتركت ضميرها يغفو أمام شاشة. وإن كان ثمة مسؤولية حقيقية اليوم، فهي أن نعيد الاعتبار للإنسان، حيّاً وميتاً. أن نتوقف عن استهلاك المآسي، وأن نحفظ للموت قدسيته، وأن نعلّم أبناءنا أن للروح وزناً، وأن للموت حرمة، وأن للضمير دوراً لا يجوز إهماله.
حين نفعل ذلك، ربما نكون قد بدأنا الخطوة الأولى نحو استعادة إنسانيتنا. أما إن واصلنا الركض وراء الموجات، فسنبقى أسرى صخب عابر، يذهب مع الريح، بينما يبقى الموت شاهداً علينا جميعاً.
اضافةتعليق
التعليقات