• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

حين يصبح الموت سلعة... ضياع الضمير في زمن الاستهلاك

زينب شاكر السماك / منذ 7 ساعة / اعلام / 257
شارك الموضوع :

إن الاستهانة بالموت ليست مسألة عابرة، بل جرح في الوعي الجمعي. الموت، الذي كان قديماً يوقف القلوب

لسنا بحاجة إلى تفاصيل جديدة، ولا إلى تسجيلات إضافية، ولا إلى صخب يعلو فوق صخب. ما حدث مؤلم بما يكفي، لكن ما جرى بعده كان أشد إيلاماً. إن الفاجعة الحقيقية ليست في موت فتاة أو في ظروف غامضة تحيط بها، بل في الطريقة التي تعاملنا بها مع موتها. هنا تتكشف مأساة أكبر: مأساة مجتمع يستهين بالموت، يهتك حرمة الميت، ويركب موجة كل حدث بلا وعي، حتى تحولت القيم الأخلاقية إلى شعارات مهترئة.

إن الاستهانة بالموت ليست مسألة عابرة، بل جرح في الوعي الجمعي. الموت، الذي كان قديماً يوقف القلوب ويذكر الناس بحقيقة مصيرهم، صار عندنا خبراً عاجلاً على شريط الأخبار، أو مقطع فيديو يتداوله الملايين بفضول بارد. فقدنا رهبة الرحيل الأخير، وأصبحنا نستهلك المآسي كما نستهلك أي مادة إعلامية. وفي هذا الاستهلاك المفرط، لم نعد نرى الإنسان الذي رحل، بل صرنا نرى "القصة" فقط، نتداولها ونستهلكها ونتركها حين يظهر غيرها. هذه الاستهانة هي وجه آخر لموت الضمير، لأن من لا يقف عند الموت باحترام، لن يقف عند الحياة بقيمة.

وإذا كان الاستهانة بالموت قد صارت عادة، فإن انتهاك حرمة الميت صار كارثة أكبر. جسد خامد، روح فارقت الدنيا، ومع ذلك تتحول إلى مادة مصوَّرة تُبث للعالم بلا أي وازع من دين أو أخلاق. في ديننا، حرمة الميت أعظم من حرمة الحي، لكننا نحن الذين ندّعي التمسك بالقيم شاركنا – بوعي أو بغير وعي – في هتك هذه الحرمة حين تناقلنا المشاهد، وتلذذنا بمناقشة تفاصيلها. وكأن الميت لم يعد إنساناً له حق الستر، بل مجرد مادة لإثبات المواقف. والأخطر أن كثيرين برروا ذلك بأنهم يريدون "إظهار الحقيقة"، متناسين أن الحقيقة المطلقة بيد الله وحده، وأن دورنا ليس في فضح المستور بل في الدعاء بالرحمة لمن رحل.

لكن الوجه الثالث للمأساة يكمن في ركوب الموجة. نحن شعوب يمكن التأثير في عقولها خلال لحظات، بضغط زر أو بانتشار وسم. نصبح فجأة خبراء في السياسة والاجتماع والدين والنفس، نركض خلف أي قضية، نطلق الأحكام، ثم نتركها حين تأتي موجة أخرى. كل مأساة تُستغل: سياسياً لتصفية الحسابات، عاطفياً لاستدرار الدموع، وإعلامياً لصناعة الترند. لا وقت للعقل ولا مكان للتثبت، المهم أن نكون جزءاً من الضجيج. وهكذا تتحول المأساة إلى فرصة، والموت إلى مادة للاستهلاك، والإنسان إلى سلعة في سوق مفتوح.

الجانب الأخطر أن هذا النمط من السلوك لا يقف عند قضية واحدة، بل يعكس تحولاً خطيراً في وعينا الجمعي. نحن نعيش في زمن تُسحق فيه القيم بسرعة الضوء. موت إنسان لا يوقفنا، وصورة ميت لا تمنعنا من التناقل، وأي موجة لا نتردد في ركوبها. ما الذي بقي إذن من إنسانيتنا؟ هل صار الضمير رفاهية يمكن الاستغناء عنها؟ أم أننا فقدنا الإحساس العميق بأن للروح قداسة لا يحق لنا انتهاكها؟

إن ما جرى هو جرس إنذار: إذا لم نستفق الآن، فكل مأساة قادمة ستتحول إلى عرض إعلامي جديد، وكل روح ستفقد معناها بين الشاشات، وكل ضمير سيواصل الغياب. الفتاة التي رحلت بين يدي الله لا تنتظر منّا محاكمات ولا جدالات، بل دعاءً صادقاً بأن يرحمها ويسترها. أما نحن، فنحن من نحتاج أن نعيد بناء وعينا وأخلاقنا. أن نفهم أن الموت ليس مشهداً نتسلى به، بل درساً نخشع أمامه. أن نؤمن أن الميت ليس مادة للنشر، بل إنسان أمانة يجب ستره. أن نُدرك أن الموجة ليست دائماً حقيقة، بل قد تكون أداة لمسخ العقول.

المسألة في النهاية ليست عن حادثة بعينها، بل عنّا نحن. عن شعوب فقدت الإحساس بقيمة الحياة والموت، وتركت ضميرها يغفو أمام شاشة. وإن كان ثمة مسؤولية حقيقية اليوم، فهي أن نعيد الاعتبار للإنسان، حيّاً وميتاً. أن نتوقف عن استهلاك المآسي، وأن نحفظ للموت قدسيته، وأن نعلّم أبناءنا أن للروح وزناً، وأن للموت حرمة، وأن للضمير دوراً لا يجوز إهماله.

حين نفعل ذلك، ربما نكون قد بدأنا الخطوة الأولى نحو استعادة إنسانيتنا. أما إن واصلنا الركض وراء الموجات، فسنبقى أسرى صخب عابر، يذهب مع الريح، بينما يبقى الموت شاهداً علينا جميعاً.

الموت
وسائل التواصل الاجتماعي
المرأة
العراق
مفاهيم
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الاضافات

    الزهراء.. خبزُ السَّماء ونورُ الأرض

    الفطور.. وجبة أساسية لصحة الجسم ونشاطه

    الشورى: وعي ومسؤولية لبناء مجتمع متكامل.. ورشة لجمعية المودة والازدهار

    البوح والكتمان: أيّهما الحل الأمثل؟

    من التحدي الى التمكين: محطات صنعتني

    الرطب العراقي.. كنز غذائي تتنوع أنواعه وتكثر فوائده

    آخر القراءات

    دراسة تمنح الأمل لمن يعاني متلازمة تململ الساقين

    النشر : الثلاثاء 11 حزيران 2024
    اخر قراءة : منذ 3 ثواني

    لا حقوق للإنسان إلا في الإسلام

    النشر : الأحد 24 حزيران 2018
    اخر قراءة : منذ 8 ثواني

    صفات المؤمن

    النشر : الأربعاء 23 ايلول 2020
    اخر قراءة : منذ 9 ثواني

    اختراعات متطورة لتحلية المياه

    النشر : الأربعاء 24 شباط 2021
    اخر قراءة : منذ 25 ثانية

    هل لتربية الجنين أثر على شخصيته؟

    النشر : السبت 31 آذار 2018
    اخر قراءة : منذ 37 ثانية

    ياعلي مدد

    النشر : السبت 16 آيار 2020
    اخر قراءة : منذ 37 ثانية

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    الشورى: وعي ومسؤولية لبناء مجتمع متكامل.. ورشة لجمعية المودة والازدهار

    • 838 مشاهدات

    اللغة الإنجليزية عقدة الجيل: لماذا نفشل في تعلمها رغم كثرة الفرص؟

    • 639 مشاهدات

    العباءة الزينبية: رمز الهوية والعفاف في كربلاء

    • 624 مشاهدات

    روبوت يحمل وينجب بدلًا من الأم.. كارثة أم معالجة طبية؟

    • 365 مشاهدات

    الانتصار على النفس: أعظم انتصار يمكن أن تحققه

    • 356 مشاهدات

    الزنك.. معدن أساسي لصحة الإنسان ونموه السليم

    • 336 مشاهدات

    مناهل الأربعين.. فتنافسوا في زيارته

    • 1449 مشاهدات

    زوار الحسين: فضل عظيم وشرف أبدي

    • 1401 مشاهدات

    سوء الظن.. قيدٌ خفيّ يقيّد العلاقات ويشوّه النوايا

    • 1110 مشاهدات

    بين طموحات الأهل وقدرات الأبناء.. هل الطب هو الخيار الوحيد؟

    • 1072 مشاهدات

    المواكب الحسينية.. محطات خدمة وإيثار في درب العشق الحسيني

    • 1056 مشاهدات

    ذكرى استشهاد الإمام الحسن المجتبى ونصائح للشباب

    • 976 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صحيفة الكترونية اجتماعية ثقافية بادارة جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    الزهراء.. خبزُ السَّماء ونورُ الأرض
    • منذ 7 ساعة
    حين يصبح الموت سلعة... ضياع الضمير في زمن الاستهلاك
    • منذ 7 ساعة
    الفطور.. وجبة أساسية لصحة الجسم ونشاطه
    • منذ 7 ساعة
    الشورى: وعي ومسؤولية لبناء مجتمع متكامل.. ورشة لجمعية المودة والازدهار
    • السبت 30 آب 2025

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2025
    2025 @ بشرى حياة