تلك هي الزهراءُ، ليست اسمًا يُتلى في الكُتب، ولا سيرةً تُحكى في المجالس وحسب، بل هي مدرسةُ روحٍ أبدية، كلُّ درسٍ فيها يُنير دربًا، وكلُّ لحظةٍ من حياتها تُقيم ميزانًا بين الأرض والسماء. هي أنشودةُ الطُّهر التي ما زالت تتردَّد في مسامع الدهور، لتعلِّم البشريّة أنّ القُرب من الله ليس حُلمًا بعيدًا، بل خُبزًا يوميًّا يُعجَن بالصدق، ويُخبَز باليقين، ويُقسَم بالمحبّة.
الزهراءُ ليست صفحةً من تاريخٍ مضى، بل هي نَفَسُ الإيمان المتجدِّد، ومرآةُ الحقّ التي تُظهر لنا صورتنا على حقيقتها؛ فإن كنّا نبتغي الرِّضا، وجدناه في دعائها، وإن طلبنا اليقين، سَكَن في قلبها. هي النورُ الذي لا يُطفئه ليلُ العصور، والسِّرُّ الذي يَربطنا بدائرة الطهارة، والبابُ الذي يفتح على جنةٍ من المعاني قبل أن يُفتح على جنّة الخلود.
فيا من تبحثون عن معنى العطاء، انظروا إليها؛ فإنّ حياتها كلّها كانت خبزًا مُباركًا يوزَّع على الجائعين، ونورًا يُستضاء به في دروب التائهين، وحبًّا يُسكب في قلوب المحزونين. وإنّ من أراد أن يعرف معنى العبادة الصافية، فلينظر كيف صارت صلاتها جسرًا بين الأرض والسماء، وكيف غدت دمعتها مِحبرةً تكتب بها الملائكةُ سطور النور في لوح الخلود.
الزهراءُ ليست قصةَ امرأةٍ عابرة، بل حكايةَ إنسانيّةٍ كاملة، تختصر سرَّ الوجود في كلمةٍ واحدة: القُرب من الله بالحبِّ والإيثار. ومن تَعلَّم من مدرستها، عَلِم أنّ البقاء الحقيقي ليس بما نملك، بل بما نعطي، وأنّ أرغفة القلوب هي التي تُشبع الأرواح، لا أرغفة الموائد.
وهكذا تبقى الزهراء عليها السَّلام مشعلًا خالدًا لا ينطفئ، يضيء الدروب لمن أظلمت في وجوههم الطُّرق، ويعلِّم الأرواح أنَّ العظمة ليست في ما يرفعه الإنسان من قُصور، بل في ما يزرعه في قلوب الآخرين من نور. إنَّها شاهدةٌ على أنَّ الإيمان الحقّ ليس شعاراتٍ تُردَّد، بل دمعةُ خشوعٍ في جوف الليل، ورغيفُ عطاءٍ على مائدة الفقراء، وابتسامةُ طُهرٍ تُداوي جراح الدُّنيا.
فالزهراء ليست ذكرى تُستحضر، بل هي منهج حياة، وسِرُّ خلودٍ، ومثالُ روحٍ لم تَفْنَ لأنّها صارت كلّها لله. ومن أراد أن يتعلّم معنى العبادة الصادقة، فلينظر إليها، ومن أراد أن يعرف كيف تُبنى الأبدية من لحظاتٍ عابرة، فليتأمل في خطاها، فإنّها الدليل الواضح إلى جنان الرِّضا، والصورة الأكمل للقلب الذي صار بكليّته لله فصار لا يموت.
اضافةتعليق
التعليقات