قد تبدو الحياة أحيانًا سلسلة من المحن والابتلاءات، وتكاد النفس تتساءل: لماذا كل هذا الألم؟ لماذا الظلم؟ لكن حين ننظر بعين الإيمان، نكتشف أن وراء كل محنة إحسانًا إلهيًا خفيًا، لا يدركه إلا من صبر وتأمل في حكمة الله.
قصة سيدنا يوسف (عليه السلام) تجسد هذه الحقيقة بأبهى صورها. فقد واجه منذ صغره ألوانًا من الشدائد، من حسد إخوته إلى رميه في البئر، ثم بيعه عبدًا، وصولًا إلى ظلمه وسجنه. ورغم كل ذلك، لم نسمع منه كلمة تذمر أو شكوى، بل ظل محسنًا في كل حال، حتى إننا نجده في نهاية القصة لا يذكر الألم، بل يشير إلى لطف الله في كل ما مر به: "وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي" (يوسف: 100).
لم يقل "ظلمني إخوتي"، أو "عانيت ظلمًا في السجن"، بل رأى الإحسان الإلهي حتى في المحن. هذا الإدراك العميق لقلب يوسف (عليه السلام) هو ما جعله يثبت في وجه الشدائد دون أن يفقد إحسانه، لأنه كان يرى يد الله تعمل في كل شيء، ولو كان ظاهره شرًا.
جزع الإنسان وعدم صبره
الإنسان بطبيعته عجول، يريد أن يرى نتائج الخير فورًا، فإذا أصابه البلاء جزع وضاق صدره، متسائلًا: لماذا أنا؟ لماذا يحدث لي هذا؟ فينسى أن المحن ليست عقوبة، بل قد تكون تهيئة لخير أكبر لا يدركه في لحظته. كثيرًا ما يدفعنا الجزع إلى فقدان الثقة بحكمة الله، فنرى الابتلاء وكأنه نهاية الطريق، بدلًا من أن ندرك أنه مجرد مرحلة في قصة أوسع، قصة يرسمها الله بعلمه ولطفه.
فالذي فقد عمله قد يكون على موعد مع رزق أفضل، والذي تأخر زواجه قد يكون محفوظًا لقدر أجمل، ومن تأخر شفاؤه قد يكون الله يرفع درجته ويكفر سيئاته.
لكن القلب عندما يضيق، لا يرى إلا الألم، فينسى أن حتى تأخير الفرج يحمل في طياته رحمة. وهنا يأتي دور الصبر، فالصبر ليس مجرد تحمل الألم، بل هو ثقة بالله أن العوض قادم، وأن ما يخبئه الله لنا أعظم مما نتمناه. فلو أن يوسف (عليه السلام) جزع في السجن، لما كان أهّل نفسه ليكون وزيرًا بعد ذلك. الفرق بين من يجزع ومن يصبر ليس في حجم البلاء، بل في طريقة رؤيته له. فمن رآه عقبة سقط فيه، ومن رآه خطوة نحو الأفضل انتظر الفرج وهو موقن أن الله لا يخذل عباده.
سر الإحسان وسط الابتلاءات
ما الذي يجعل الإنسان قادرًا على رؤية لطف الله وسط الألم؟ إنها الثقة بحكمة الله، والإيمان بأنه لا يقدر شيئًا إلا وفيه الخير، وإن كان الخير خافيًا. الإحسان ليس فقط في التعامل مع الآخرين، بل هو قبل ذلك إحسان الظن بالله، واليقين بأنه لا يترك عبده، بل يصنع له الأفضل، ولو بدا الطريق شاقًا. سيدنا يوسف لم يكن إحسانه مقتصرًا على صبره فحسب، بل امتد ليكون إحسانًا في العمل والسلوك، في البئر كان صابرًا، في بيت العزيز كان عفيفًا، في السجن كان ناصحًا، وفي الحكم كان عادلًا. لم يكن الإحسان مجرد شعور داخلي، بل كان أسلوب حياة، فكان الإحسان هو المفتاح الذي فتح له أبواب الخير رغم ظلمات المحن.
السؤال الأهم كيف نرى إحسان الله في حياتنا؟
ليس من السهل دائمًا أن نرى الخير في المحن ونحن نعيشها، لكن يمكننا أن ندرب قلوبنا على الثقة بالله من خلال التأمل في قصص السابقين: فكل قصة قرآنية تعلمنا أن الابتلاء ليس نهاية القصة، بل بداية لطف جديد.
كما لابد من مراجعة تجاربنا الماضية، كم من أمر كرهناه ثم اكتشفنا لاحقًا أنه كان سببًا في خير لم نكن نتوقعه. ولابد للمؤمن والعارف بكرم الله من المداومة على الإحسان رغم الألم، مهما كان حاله، فليحسن في القول والعمل، كما فعل يوسف (عليه السلام)، حين قابَل الجحود بالعفو، والظلم بالصبر، والغدر بالإحسان، فكان جزاؤه رفعةً ومُلكًا بعد السجن والمِحن، فلا تظننَّ أن الخير يضيع عند الله، فكل معروف تزرعه، ولو لم تلقَ ثماره الآن، سينبت في وقته المقدر لك.
وكما أن بعض الابتلاءات لا تُعرف حكمتها إلا بعد حين، يجب عدم الانزلاق في وادي الجزع، بل التمسك بالدعاء والاستعانة بالله، فبعض الأبواب لا تُفتح إلا باللجوء إليه.
وما يراه القلب اليوم ضيقًا خانقًا، قد يكون غدًا نافذة تُطل على رحمة لم تكن تخطر على البال. فالثقة بحكمة الله تجعل المرء يسير في دروب الحياة مطمئنًا، حتى وإن كانت الخطوات متعثرة، لأن خلف كل محنة منحة، وخلف كل ظلام فجرٌ جديد. حين يرى القلب إحسان الله، يتبدل الضيق سكينة، والمحنة منحة، وتصبح كل لحظة من الألم نافذة تطل منها على رحمة الله الواسعة. فليكن شعارنا في كل ضيق: "وقد أحسن بي".
اضافةتعليق
التعليقات