مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة عالميًا بفعل التغيّر المناخي، يتسارع الاعتماد على أجهزة تكييف الهواء، ما يضع العالم أمام مفارقة بيئية: الحاجة إلى التبريد من جهة، وتأثيره الكبير على المناخ من جهة أخرى.
وتشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة إلى أن الطلب على الطاقة المخصصة لتبريد المباني قد يرتفع إلى أكثر من ثلاثة أضعاف بحلول عام 2050، مدفوعًا بالانتشار الواسع لمكيفات الهواء. غير أن تقنيات التبريد المستخدمة حاليًا تُعد من المساهمين الرئيسيين في الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري.
مشكلة أنظمة الضغط التقليدية
تعتمد الغالبية العظمى من أنظمة التبريد الحالية على تقنية الضغط بالبخار، وهي تقنية تعود جذورها إلى القرن التاسع عشر، وتعمل عبر تدوير مبردات كيميائية داخل ضاغط.
ويقول بيراردو ماتالوتشي، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة MIMiC Systems في بروكلين، إن قطاع التبريد ظل لسنوات طويلة متمسكًا بهذه التكنولوجيا القديمة، رغم آثارها البيئية الكبيرة.
من جانبه، يوضح جاراد ماسون، أستاذ الكيمياء بجامعة هارفارد، أن معظم أجهزة التكييف والثلاجات ومضخات الحرارة تعمل باستخدام مبردات قائمة على مركبات الفلوركربون، المعروفة باسم الهيدروفلوركربونات، وهي غازات دفيئة شديدة القوة، تتجاوز في تأثيرها الاحتراري ثاني أكسيد الكربون بمئات المرات.
حتى التسربات البسيطة من هذه الغازات، رغم أن الأنظمة مصممة كدوائر مغلقة، يمكن أن تترك أثرًا مناخيًا كبيرًا. كما أن فقدان المبردات يقلل من كفاءة الأجهزة، ما يزيد استهلاك الكهرباء والانبعاثات المرتبطة بها.
وتُقدَّر مساهمة هذه المبردات بنحو 2% إلى 3% من إجمالي الانبعاثات العالمية للغازات الدفيئة، وهو رقم يقترب من البصمة الكربونية لقطاع الطيران العالمي.
بدائل بلا مبردات
في ظل هذه التحديات، يتجه الباحثون والشركات إلى تطوير تقنيات تبريد بديلة تُعرف باسم “التبريد الصلب”، وهي أنظمة تستغني كليًا عن الغازات المبردة.
وتعتمد شركة MIMiC Systems على تقنية التبريد الكهربائي الحراري، التي تنقل الحرارة عبر حركة الإلكترونات داخل مواد صلبة مثل البزموت والتيلوريوم والأنتيمون، مع تجارب على مواد أخرى أقل تكلفة مثل الفضة والسيلينيوم.
الميزة الأبرز لهذه التقنية أنها لا تحتوي على مبردات متطايرة ولا أجزاء متحركة، ما يقلل من الأعطال، ويحد من النفايات، ويخفض تكاليف الصيانة على المدى الطويل.
سوق واعد وتحديات قائمة
ورغم أن سوق تكييف الهواء العالمي يُقدَّر حاليًا بنحو 160 مليار دولار، مع توقعات بوصوله إلى أكثر من 300 مليار دولار بحلول 2035، فإن سوق التبريد الصلب لا يزال ناشئًا، إذ لم يتجاوز حجمه مليار دولار في 2024، مع توقعات بنموه إلى 4.5 مليارات دولار بحلول 2032.
ويشير خبراء إلى أن أحد أبرز التحديات أمام هذه الأنظمة هو تحقيق كفاءة طاقة تضاهي مكيفات الهواء التقليدية. فبينما يتراوح معامل الأداء للمكيفات الحالية بين 2 و4 في المتوسط، لا تزال معظم تقنيات التبريد الصلب دون هذا المستوى، رغم وجود نماذج تجريبية حققت أرقامًا أعلى في ظروف معينة.
من المختبر إلى المنازل
تاريخيًا، اقتصر استخدام التبريد الصلب على تطبيقات خاصة مثل المركبات الفضائية والغواصات والمبردات المحمولة، حيث تكون السلامة والموثوقية أولوية قصوى. لكن شركة MIMiC تسعى إلى نقل هذه التقنية إلى المنازل والمباني السكنية.
وتعتمد الشركة على تصميم معياري بوحدات صغيرة بحجم الغرفة، يمكن دمجها حسب الحاجة، بدل الاعتماد على أنظمة التكييف المركزية الكبيرة. هذا النهج يسمح بتبريد المساحات المطلوبة فقط وفي الوقت المناسب، ما يزيد الكفاءة ويقلل الهدر.
وقد دخلت هذه الفكرة حيز التطبيق بالفعل، إذ ركبت الشركة أول نظام تجريبي للتحكم المناخي الصلب في شقة سكنية بمدينة فانكوفر الكندية في أغسطس/آب 2025.
الكلفة والانبعاثات
ورغم أن تكلفة هذه الوحدات لا تزال حاليًا أعلى بنحو الضعف مقارنة بأنظمة الضغط التقليدية، يؤكد ماتالوتشي أن الاستثمار في البحث والتطوير يهدف إلى خفض تكاليف المواد والتصنيع.
وبحسب تقديرات الشركة، يمكن للتحول إلى أنظمة التبريد الصلب أن يقلل الانبعاثات المرتبطة بتكييف الهواء بنسبة تتراوح بين 3% و20% خلال 15 عامًا، ما يجعلها خيارًا واعدًا في معركة الحد من تغيّر المناخ.








اضافةتعليق
التعليقات