تعددت انشغالات الإنسان ومسؤولياته كلما زاد عمره وارتقى في مناصبه في المجتمع، فيضحى ساعيًا نهاره، قلقًا ليله لإكمال ما فُرض عليه وسدّ احتياجات حياته التي لا تنتهي. وبينما هو كذلك، يُقضم من حبل عمره شيئًا فشيئًا وهو لا يشعر، فهو لم يملأ تلك المساحة المهمة من عمره، وهي الرضا والهدوء، اللذان باتا بعيدين عنه ـ على الرغم من قربهما من حبل الوريد ـ.
تلك المساحة التي تفتح له نافذة الوعي لكل مرحلة يعيشها دون أن يُجهد نفسه لاهثًا وراء الزبد الذي يذهب جفاءً دون فائدة تُرجى.
وأحيانًا يجد نفسه واقعًا في فخ اسمه (الندم)، بعد أن تأتيه لحظة هداية تخرجه من ظلمات التفكير والقلق والهمّ ـ بما مضى وبما سيمضي ـ إلى نور الوعي (نور الآن).
والسؤال المهم الذي تدق أجراس التنبيه له كل الأزمان وكل الدراسات الاجتماعية: ما هو سر السعادة التي يسعى الإنسان باحثًا عنها منذ أن خُلق؟
هذا السؤال الذي ترك لنا الباري تعالى مهمة البحث عنه في هذه الدنيا القصيرة قبل أن نرى نتائجه في يوم الخلود (اليوم الأبدي).
فالإنسان منذ شهيقه الأول، وجعله خليفة من قبل الباري تعالى في الأرض، ووطئت قدماه التراب، أخبره عز وجل بحدود تلك المساحة التي سيقطعها، ومن يجب أن يحذر، ومن هو عدوه الذي يسعى لإسقاطه وخذلانه قبل أن يعود إلى ربه بعد أن يذوب جسده بالتراب. وبدأ برسم الحياة له بأجمل وأروع الإبداع اللغوي في كتابه الكريم:
"وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ *١١٦* فَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوّٞ لَّكَ وَلِزَوۡجِكَ فَلَا يُخۡرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلۡجَنَّةِ فَتَشۡقَىٰٓ *١١٧* إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعۡرَىٰ *١١٨* وَأَنَّكَ لَا تَظۡمَؤُاْ فِيهَا وَلَا تَضۡحَىٰ *١١٩*" (سورة طه).
ولكن ابن آدم لم يكتفِ بالقناعة والرضا، بل لم يُعر اهتمامًا بهذه المساحة، بل تركها فراغًا، فنصب الشيطان لهذا المخلوق فخًا ليوقعه فيه بعد أن رأى ذلك الفراغ:
"فَوَسۡوَسَ إِلَيۡهِ ٱلشَّيۡطَٰنُ قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ هَلۡ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلۡخُلۡدِ وَمُلۡكٖ لَّا يَبۡلَىٰ *١٢٠*" (سورة طه).
فإذن نستنتج مما سبق أن الفخ الذي وضعه إبليس لهذا المخلوق الضعيف بقدراته وبصيرته، القوي برغباته وشهواته، هو (عدم القناعة)، وبالتالي عدم الرضا بما قسمه الله.
ونتيجة لذلك يعيش حياته بعقدة الندم واللوم. ومن الجميل جدًا والملفت للنظر أنه يصل إلى مرحلة يضفي له الروتين في حياته وضعف الإيمان لون الروبوت الذي يتحرك وفق برنامج معين دون أن يشعر بلذة الأحداث والمواقف والأيام والليالي؛ تراه جليسك ولكنه غائبٌ عنك، تراه ضاحكًا ولكن قلبه باكيًا، تراه ناظرًا ولكنه غير بصير، وهذا ما أشار له القرآن الكريم:
"قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرۡتَنِيٓ أَعۡمَىٰ وَقَدۡ كُنتُ بَصِيرٗا *١٢٥* قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتۡكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَاۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمَ تُنسَىٰ *١٢٦*" (سورة طه).
فحين يفقدك التفكير بالمستقبل لذة الحاضر، ويزجّك الماضي في ظلمات الندم، حينها تتعطل حواسك عن استشعار الحاضر وكيفية التعامل معه بحكمة واستقرار.
ما هو الحل؟
ارفق بنفسك واتبع ذلك النور الأبدي الذي اتبعه آدم عليه السلام بعد أن أدرك ذلك الفخ، طالبًا الحل والنجاة، وهو الاعتصام بحبل الله المتين المتمثل بالقرآن الكريم والعترة الطاهرة محمد وآل محمد صلى الله عليهم، للتعامل مع أمواج الفتن وعدم الوقوع فيها.




اضافةتعليق
التعليقات