• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

فنُّ الكلمة بين صدقٍ مؤلم ومجاملةٍ خادعة

‏زينب كاظم التميمي / الأثنين 10 تشرين الثاني 2025 / تربية / 733
شارك الموضوع :

فليكن قولنا إذًا، لا حادًّا كالسكين، ولا ناعمًا كالدخان، بل كالماء: صافيًا، صادقًا، يلامس دون أن يجرح

في حياة الإنسان، تبقى الكلمة أكثر من مجرد صوتٍ يخرج من الفم؛ إنها كائنٌ حيّ، يولد من نيةٍ، وينمو في الوعي، وقد يشفى بها قلب أو يُجرَح بها وجدان. ولذلك، ليست كل كلمةٍ تُقال جديرة بالمدح، ولا كل صمتٍ يلوح عجزًا.

‏يقول أحد الحكماء: “أحيانًا.. لا تُبالغ في المجاملة حتى لا تقع في بئر النفاق، ولا تُبالغ في الصراحة حتى لا تقع في وحل الإساءة.”

‏جملةٌ تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في عمقها ميزان الأخلاق الدقيقة بين نُبل الصدق وأناقة المجاملة، بين الحقيقة العارية واللطف المغلف بالسكوت.

‏المجاملة حين تتنكّر بوجه النفاق:

‏المجاملة في أصلها لُطفٌ إنساني، تُقال لتُليّن القلوب وتُهذّب الاختلاف، لكنها حين تخرج من فمٍ لا يصدّق ما يقول، تتحوّل إلى شكلٍ من أشكال الزيف الاجتماعي.

‏إنها حينذاك لا تُجمّل، بل تُضلّل. فهي لا تُنقذ مشاعر الآخرين بقدر ما تُطفئ شعلة الصدق في داخلنا، وتجعلنا أسرى لرضا الناس أكثر من رضانا عن ذواتنا.

‏والمؤلم أن كثيرين اليوم يمارسون المجاملة كما لو كانت طوق نجاة في بحر العلاقات، يبتسمون حيث يجب أن يصمتوا، ويثنون حيث يلزم النقد، فيتحوّل التودّد إلى عبوديةٍ اجتماعيةٍ مغلفةٍ بالأدب.

‏لكن الأدب الحقيقي ليس في أن تُرضي الجميع، بل في أن تقول ما تؤمن به دون أن تُهين أحدًا.

‏الصراحة.. حين تفقد إنسانيتها:

‏في الجهة المقابلة، يتذرّع البعض بالصراحة ليُخفي قسوةً دفينة في نفسه. يقول الحقيقة بحدةٍ جارحة ثم يتباهى بأنه “لا يعرف المجاملة”، متناسيًا أن الكلمة يمكن أن تقتل المعنى حين تُقال دون حكمة.

‏الصراحة قيمةٌ أخلاقية عالية، لكنها إن تحرّرت من رحمة القلب، هبطت إلى درك الإساءة.

‏فليست البطولة أن نُفصح عن كل ما نراه، بل أن نعرف متى وكيف نقول ما نراه. فالحقيقة التي تُقال في غير أوانها تُصبح ظلمًا، والصدق الذي يخلو من التعاطف يُصبح وحشًا متخفيًا في ثوب الفضيلة.

‏ومن هنا تتجلّى حكمة القول: الصراحة ليست أن تقول كل شيء، بل أن تقول ما يجب أن يُقال بطريقةٍ تُبقي للآخر كرامته وللحقيقة بهاءها.

‏بين البئر والوَحل.. يقف الإنسان الواعي:

‏الإنسان الواعي هو من يقف على الحدّ الفاصل بين البئر والوَحل، بين النفاق والإساءة، بين لُطفٍ كاذب وصدقٍ جارح.

‏إنه يدرك أن القول مسؤولية، وأن الكلمة قد تُبنى بها جسور الثقة أو تُهدم بها قلوبٌ صالحة.

‏التوازن هنا ليس ضعفًا، بل قوة الحكمة؛ أن تمتلك القدرة على الصدق، ولكن تضبط اندفاعه بميزان الرحمة. أن تُجامل دون أن تُنافق، وأن تصدق دون أن تُهين.

‏الحياة تحتاج إلى هذا النوع من الذكاء الأخلاقي؛ ذكاءٍ يعرف أن كل إنسانٍ يحمل هشاشته الخاصة، وأن اللين في القول لا يُضعف الحق، كما أن الصمت أحيانًا أبلغ من ألف حقيقةٍ فظة.

‏ففي النهاية، لا الفضيلة في الصراحة المطلقة، ولا في المجاملة المطلقة، بل في التعبير عن الحقيقة بلغةٍ تحفظ الإنسانية.

‏وهنا يتضح لنا أن تبقى الكلمة مرآة الوعي، تكشف عن مستوى الإنسان في فهمه لذاته وللآخرين. ليست الحقيقة ما نقوله، بل كيف نقوله. فالصراحة التي لا تعرف الرفق ليست شجاعة، بل جهلٌ بمواطن الجمال في النفس البشرية، والمجاملة التي تفقد الصدق ليست أدبًا، بل هروبٌ أنيق من المواجهة.

‏وأن الحق يحتاج إلى لسانٍ رحيم، كما يحتاج الجمال إلى عينٍ صادقة.

‏ولأن الإنسان كائنٌ من توازن، لا من تطرف، فإن فضيلته العظمى أن يكون قادرًا على أن يقول الحقيقة دون أن يُطفئ ضوء اللطف، وأن يُمارس اللطف دون أن يُطفئ نور الحقيقة.

‏فليكن قولنا إذًا، لا حادًّا كالسكين، ولا ناعمًا كالدخان، بل كالماء: صافيًا، صادقًا، يلامس دون أن يجرح، وينقي دون أن يُهين.

الاخلاق
الوعي
المجتمع
السلوك
النفاق
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    حملة الرسالة.. توفيقٌ إلهي لحفظ الدين وإتمام النور

    حملة الرسالة.. توفيقٌ إلهي لحفظ الدين وإتمام النور

    السبت 29 آب 2026/
    الإمام الحسين ومسيرة الأربعين: إقامة الحجة وتجديد الميثاق الإنساني

    الإمام الحسين ومسيرة الأربعين: إقامة الحجة وتجديد الميثاق الإنساني

    الأثنين 03 آب 2026/
    شوقٌ ينهشُ الضلوع وإدراك شكر النِعَم

    شوقٌ ينهشُ الضلوع وإدراك شكر النِعَم

    الأثنين 27 تموز 2026/
    فلسفة العطش ... بين طلب العلم وعشق الحسين

    فلسفة العطش ... بين طلب العلم وعشق الحسين

    الأحد 05 تموز 2026/
    وصايا عَلوية... زجرُ النفسِ في زمنِ الإنجِرافَات

    وصايا عَلوية... زجرُ النفسِ في زمنِ الإنجِرافَات

    الأحد 07 حزيران 2026/
    بين التيه والانتماء.. معركة الهوية عند المراهق

    بين التيه والانتماء.. معركة الهوية عند المراهق

    الأثنين 01 حزيران 2026/

    آخر الاضافات

    عمّى الجمال

    التشكيك بالذات… عنفٌ بلا آثار

    عدوى جلدية نادرة تثير القلق في أوروبا.. هل تتوسع رقعة «تعفن المطر»؟

    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر

    بوحٌ بلا وجوه… حينما تصبح المنصات الملاذ الأخير

    رائحة العرق المزعجة.. أسبابها وطرق الحد منها بفاعلية

    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    الهيليوم: أكثر من مجرد غاز يجعل صوتك مضحكًا

    آخر القراءات

    الإسلام حل والمسلمون مشكلة!

    النشر : السبت 18 تشرين الثاني 2017
    اخر قراءة : منذ 5 دقائق

    سلوك الطفل في ضوء المربي.. صلة متصلة

    النشر : السبت 25 حزيران 2022
    اخر قراءة : منذ 5 دقائق

    التسامح.. قوة تقبع في قلب المؤمن

    النشر : الأربعاء 13 حزيران 2018
    اخر قراءة : منذ 6 دقائق

    قَبل الخِتام فَلنَأخذ عِبَرٌ مِنَ الصيامِ

    النشر : الأحد 07 نيسان 2024
    اخر قراءة : منذ 6 دقائق

    باحثون عن المعنى

    النشر : الأثنين 09 كانون الثاني 2023
    اخر قراءة : منذ 6 دقائق

    في اليوم العالمي للسعادة : ما الذي تعنيه الكلمة لكم؟

    النشر : الأثنين 26 آذار 2018
    اخر قراءة : منذ 6 دقائق

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر

    • 482 مشاهدات

    الاهتمام بالرزق.. حين يتحول الهم إلى خطيئة

    • 316 مشاهدات

    نظام الطيبات... عند النبي محمد

    • 313 مشاهدات

    الكيتو قد يساعد في عكس مقدمات السكري وخفض دهون الكبد

    • 298 مشاهدات

    كيف تخفف التهاب الحلق سريعًا؟ خطوات بسيطة تساعد على الشعور بالراحة

    • 298 مشاهدات

    طرق بسيطة قد تساعد على تخفيف أعراض الصداع النصفي أثناء النوبة

    • 297 مشاهدات

    حين يصبح التأخر تهمة

    • 1058 مشاهدات

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 1020 مشاهدات

    ميلادان… ومشروع واحد: حين يولد النور مرتين

    • 1004 مشاهدات

    ستنضج فجأة وتتساءل: مَن هذا الذي لا يشبهك!

    • 959 مشاهدات

    شمس الأنبياء.. وداع الأمة الأخير

    • 799 مشاهدات

    فجر الصادق: حين يتكلم النور ويكتمل العقل

    • 715 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    عمّى الجمال
    • منذ 21 ساعة
    التشكيك بالذات… عنفٌ بلا آثار
    • منذ 21 ساعة
    عدوى جلدية نادرة تثير القلق في أوروبا.. هل تتوسع رقعة «تعفن المطر»؟
    • منذ 21 ساعة
    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر
    • الأربعاء 09 ايلول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة