• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

فنُّ الكلمة بين صدقٍ مؤلم ومجاملةٍ خادعة

‏زينب كاظم التميمي / الأثنين 10 تشرين الثاني 2025 / تربية / 708
شارك الموضوع :

فليكن قولنا إذًا، لا حادًّا كالسكين، ولا ناعمًا كالدخان، بل كالماء: صافيًا، صادقًا، يلامس دون أن يجرح

في حياة الإنسان، تبقى الكلمة أكثر من مجرد صوتٍ يخرج من الفم؛ إنها كائنٌ حيّ، يولد من نيةٍ، وينمو في الوعي، وقد يشفى بها قلب أو يُجرَح بها وجدان. ولذلك، ليست كل كلمةٍ تُقال جديرة بالمدح، ولا كل صمتٍ يلوح عجزًا.

‏يقول أحد الحكماء: “أحيانًا.. لا تُبالغ في المجاملة حتى لا تقع في بئر النفاق، ولا تُبالغ في الصراحة حتى لا تقع في وحل الإساءة.”

‏جملةٌ تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في عمقها ميزان الأخلاق الدقيقة بين نُبل الصدق وأناقة المجاملة، بين الحقيقة العارية واللطف المغلف بالسكوت.

‏المجاملة حين تتنكّر بوجه النفاق:

‏المجاملة في أصلها لُطفٌ إنساني، تُقال لتُليّن القلوب وتُهذّب الاختلاف، لكنها حين تخرج من فمٍ لا يصدّق ما يقول، تتحوّل إلى شكلٍ من أشكال الزيف الاجتماعي.

‏إنها حينذاك لا تُجمّل، بل تُضلّل. فهي لا تُنقذ مشاعر الآخرين بقدر ما تُطفئ شعلة الصدق في داخلنا، وتجعلنا أسرى لرضا الناس أكثر من رضانا عن ذواتنا.

‏والمؤلم أن كثيرين اليوم يمارسون المجاملة كما لو كانت طوق نجاة في بحر العلاقات، يبتسمون حيث يجب أن يصمتوا، ويثنون حيث يلزم النقد، فيتحوّل التودّد إلى عبوديةٍ اجتماعيةٍ مغلفةٍ بالأدب.

‏لكن الأدب الحقيقي ليس في أن تُرضي الجميع، بل في أن تقول ما تؤمن به دون أن تُهين أحدًا.

‏الصراحة.. حين تفقد إنسانيتها:

‏في الجهة المقابلة، يتذرّع البعض بالصراحة ليُخفي قسوةً دفينة في نفسه. يقول الحقيقة بحدةٍ جارحة ثم يتباهى بأنه “لا يعرف المجاملة”، متناسيًا أن الكلمة يمكن أن تقتل المعنى حين تُقال دون حكمة.

‏الصراحة قيمةٌ أخلاقية عالية، لكنها إن تحرّرت من رحمة القلب، هبطت إلى درك الإساءة.

‏فليست البطولة أن نُفصح عن كل ما نراه، بل أن نعرف متى وكيف نقول ما نراه. فالحقيقة التي تُقال في غير أوانها تُصبح ظلمًا، والصدق الذي يخلو من التعاطف يُصبح وحشًا متخفيًا في ثوب الفضيلة.

‏ومن هنا تتجلّى حكمة القول: الصراحة ليست أن تقول كل شيء، بل أن تقول ما يجب أن يُقال بطريقةٍ تُبقي للآخر كرامته وللحقيقة بهاءها.

‏بين البئر والوَحل.. يقف الإنسان الواعي:

‏الإنسان الواعي هو من يقف على الحدّ الفاصل بين البئر والوَحل، بين النفاق والإساءة، بين لُطفٍ كاذب وصدقٍ جارح.

‏إنه يدرك أن القول مسؤولية، وأن الكلمة قد تُبنى بها جسور الثقة أو تُهدم بها قلوبٌ صالحة.

‏التوازن هنا ليس ضعفًا، بل قوة الحكمة؛ أن تمتلك القدرة على الصدق، ولكن تضبط اندفاعه بميزان الرحمة. أن تُجامل دون أن تُنافق، وأن تصدق دون أن تُهين.

‏الحياة تحتاج إلى هذا النوع من الذكاء الأخلاقي؛ ذكاءٍ يعرف أن كل إنسانٍ يحمل هشاشته الخاصة، وأن اللين في القول لا يُضعف الحق، كما أن الصمت أحيانًا أبلغ من ألف حقيقةٍ فظة.

‏ففي النهاية، لا الفضيلة في الصراحة المطلقة، ولا في المجاملة المطلقة، بل في التعبير عن الحقيقة بلغةٍ تحفظ الإنسانية.

‏وهنا يتضح لنا أن تبقى الكلمة مرآة الوعي، تكشف عن مستوى الإنسان في فهمه لذاته وللآخرين. ليست الحقيقة ما نقوله، بل كيف نقوله. فالصراحة التي لا تعرف الرفق ليست شجاعة، بل جهلٌ بمواطن الجمال في النفس البشرية، والمجاملة التي تفقد الصدق ليست أدبًا، بل هروبٌ أنيق من المواجهة.

‏وأن الحق يحتاج إلى لسانٍ رحيم، كما يحتاج الجمال إلى عينٍ صادقة.

‏ولأن الإنسان كائنٌ من توازن، لا من تطرف، فإن فضيلته العظمى أن يكون قادرًا على أن يقول الحقيقة دون أن يُطفئ ضوء اللطف، وأن يُمارس اللطف دون أن يُطفئ نور الحقيقة.

‏فليكن قولنا إذًا، لا حادًّا كالسكين، ولا ناعمًا كالدخان، بل كالماء: صافيًا، صادقًا، يلامس دون أن يجرح، وينقي دون أن يُهين.

الاخلاق
الوعي
المجتمع
السلوك
النفاق
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    الإمام الحسين ومسيرة الأربعين: إقامة الحجة وتجديد الميثاق الإنساني

    الإمام الحسين ومسيرة الأربعين: إقامة الحجة وتجديد الميثاق الإنساني

    الأثنين 03 آب 2026/
    شوقٌ ينهشُ الضلوع وإدراك شكر النِعَم

    شوقٌ ينهشُ الضلوع وإدراك شكر النِعَم

    الأثنين 27 تموز 2026/
    فلسفة العطش ... بين طلب العلم وعشق الحسين

    فلسفة العطش ... بين طلب العلم وعشق الحسين

    الأحد 05 تموز 2026/
    وصايا عَلوية... زجرُ النفسِ في زمنِ الإنجِرافَات

    وصايا عَلوية... زجرُ النفسِ في زمنِ الإنجِرافَات

    الأحد 07 حزيران 2026/
    بين التيه والانتماء.. معركة الهوية عند المراهق

    بين التيه والانتماء.. معركة الهوية عند المراهق

    الأثنين 01 حزيران 2026/
    جِناية اللون الواحد: حين تغتالُ العتمةُ بياضَ الروح

    جِناية اللون الواحد: حين تغتالُ العتمةُ بياضَ الروح

    الأحد 31 آيار 2026/

    آخر الاضافات

    من هدي الإمام الحسن العسكري: الصلاة على محمد وآل محمد

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    تقبّل.. فما حدث قد حدث

    كانديدا أوريس.. فطر مقاوم يثير القلق في مرافق الرعاية الصحية

    الإمام الحسن العسكري عليه السلام: القيادة في ظل الرقابة العباسية

    مد يد العون وأهمية النصيحة

    عرض كتاب: فكرة الرسم وكيف يساعدنا الرسم على الملاحظة والاكتشاف والاختراع

    عسر الهضم.. خطوات بسيطة في المنزل قد تساعد على تخفيف الأعراض

    آخر القراءات

    قوة الشخصية: كيف تصبح الفتاة قوية في المجتمع؟

    النشر : الأربعاء 29 ايلول 2021
    اخر قراءة : منذ 21 دقيقة

    احتواء المشاكل الزوجية

    النشر : السبت 02 آيار 2026
    اخر قراءة : منذ 21 دقيقة

    في ذكرى جدتي التاسعة عشرة

    النشر : الأثنين 05 آيار 2025
    اخر قراءة : منذ 21 دقيقة

    توأم الروح!

    النشر : الأحد 29 كانون الأول 2019
    اخر قراءة : منذ 21 دقيقة

    زوجات.. ما بعد الشهادة

    النشر : الأحد 15 تشرين الثاني 2020
    اخر قراءة : منذ 21 دقيقة

    ما هي أفضل طريقة لتناول بذور الشيا؟ 

    النشر : الثلاثاء 19 ايلول 2023
    اخر قراءة : منذ 21 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 821 مشاهدات

    جمعية المودة والازدهار تنظم جلسة حول هندسة الوعي وبناء الحصانة الفكرية في المنتدى النسوي

    • 401 مشاهدات

    أفكار ذكية لغرفة المعيشة في شقة اقتصادية

    • 395 مشاهدات

    الوداع النبويّ .. وقبلة الأحزان في خطر

    • 350 مشاهدات

    حقن نفسه ببكتيريا عمرها 3.5 مليون سنة: هل اكتشف إكسير الخلود أم فتح أبواب الجحيم البيولوجي؟

    • 308 مشاهدات

    الإفراط في تصفح الإنترنت قد يفاقم التوتر والمشاعر السلبية.. دراسة تكشف السبب

    • 301 مشاهدات

    الأسرة التي تصنع الأبطال: قراءة تربوية في بيت الإمام الحسين

    • 1012 مشاهدات

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 821 مشاهدات

    شمس الأنبياء.. وداع الأمة الأخير

    • 729 مشاهدات

    من جابر إلى صاحب الزمان… فلسفة المشاركة في نهضة الإمام الحسين

    • 626 مشاهدات

    الرسول الأكرم وبناء ثقافة التسامح: رحمةٌ واعية وعدلٌ يحفظ الحقوق

    • 602 مشاهدات

    العفة وضبط النفس في ادارة الرغبات

    • 596 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    من هدي الإمام الحسن العسكري: الصلاة على محمد وآل محمد
    • منذ 9 ساعة
    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة
    • منذ 9 ساعة
    تقبّل.. فما حدث قد حدث
    • منذ 9 ساعة
    كانديدا أوريس.. فطر مقاوم يثير القلق في مرافق الرعاية الصحية
    • منذ 9 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة