• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

فنُّ الكلمة بين صدقٍ مؤلم ومجاملةٍ خادعة

‏زينب كاظم التميمي / الأثنين 10 تشرين الثاني 2025 / تربية / 778
شارك الموضوع :

فليكن قولنا إذًا، لا حادًّا كالسكين، ولا ناعمًا كالدخان، بل كالماء: صافيًا، صادقًا، يلامس دون أن يجرح

في حياة الإنسان، تبقى الكلمة أكثر من مجرد صوتٍ يخرج من الفم؛ إنها كائنٌ حيّ، يولد من نيةٍ، وينمو في الوعي، وقد يشفى بها قلب أو يُجرَح بها وجدان. ولذلك، ليست كل كلمةٍ تُقال جديرة بالمدح، ولا كل صمتٍ يلوح عجزًا.

‏يقول أحد الحكماء: “أحيانًا.. لا تُبالغ في المجاملة حتى لا تقع في بئر النفاق، ولا تُبالغ في الصراحة حتى لا تقع في وحل الإساءة.”

‏جملةٌ تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في عمقها ميزان الأخلاق الدقيقة بين نُبل الصدق وأناقة المجاملة، بين الحقيقة العارية واللطف المغلف بالسكوت.

‏المجاملة حين تتنكّر بوجه النفاق:

‏المجاملة في أصلها لُطفٌ إنساني، تُقال لتُليّن القلوب وتُهذّب الاختلاف، لكنها حين تخرج من فمٍ لا يصدّق ما يقول، تتحوّل إلى شكلٍ من أشكال الزيف الاجتماعي.

‏إنها حينذاك لا تُجمّل، بل تُضلّل. فهي لا تُنقذ مشاعر الآخرين بقدر ما تُطفئ شعلة الصدق في داخلنا، وتجعلنا أسرى لرضا الناس أكثر من رضانا عن ذواتنا.

‏والمؤلم أن كثيرين اليوم يمارسون المجاملة كما لو كانت طوق نجاة في بحر العلاقات، يبتسمون حيث يجب أن يصمتوا، ويثنون حيث يلزم النقد، فيتحوّل التودّد إلى عبوديةٍ اجتماعيةٍ مغلفةٍ بالأدب.

‏لكن الأدب الحقيقي ليس في أن تُرضي الجميع، بل في أن تقول ما تؤمن به دون أن تُهين أحدًا.

‏الصراحة.. حين تفقد إنسانيتها:

‏في الجهة المقابلة، يتذرّع البعض بالصراحة ليُخفي قسوةً دفينة في نفسه. يقول الحقيقة بحدةٍ جارحة ثم يتباهى بأنه “لا يعرف المجاملة”، متناسيًا أن الكلمة يمكن أن تقتل المعنى حين تُقال دون حكمة.

‏الصراحة قيمةٌ أخلاقية عالية، لكنها إن تحرّرت من رحمة القلب، هبطت إلى درك الإساءة.

‏فليست البطولة أن نُفصح عن كل ما نراه، بل أن نعرف متى وكيف نقول ما نراه. فالحقيقة التي تُقال في غير أوانها تُصبح ظلمًا، والصدق الذي يخلو من التعاطف يُصبح وحشًا متخفيًا في ثوب الفضيلة.

‏ومن هنا تتجلّى حكمة القول: الصراحة ليست أن تقول كل شيء، بل أن تقول ما يجب أن يُقال بطريقةٍ تُبقي للآخر كرامته وللحقيقة بهاءها.

‏بين البئر والوَحل.. يقف الإنسان الواعي:

‏الإنسان الواعي هو من يقف على الحدّ الفاصل بين البئر والوَحل، بين النفاق والإساءة، بين لُطفٍ كاذب وصدقٍ جارح.

‏إنه يدرك أن القول مسؤولية، وأن الكلمة قد تُبنى بها جسور الثقة أو تُهدم بها قلوبٌ صالحة.

‏التوازن هنا ليس ضعفًا، بل قوة الحكمة؛ أن تمتلك القدرة على الصدق، ولكن تضبط اندفاعه بميزان الرحمة. أن تُجامل دون أن تُنافق، وأن تصدق دون أن تُهين.

‏الحياة تحتاج إلى هذا النوع من الذكاء الأخلاقي؛ ذكاءٍ يعرف أن كل إنسانٍ يحمل هشاشته الخاصة، وأن اللين في القول لا يُضعف الحق، كما أن الصمت أحيانًا أبلغ من ألف حقيقةٍ فظة.

‏ففي النهاية، لا الفضيلة في الصراحة المطلقة، ولا في المجاملة المطلقة، بل في التعبير عن الحقيقة بلغةٍ تحفظ الإنسانية.

‏وهنا يتضح لنا أن تبقى الكلمة مرآة الوعي، تكشف عن مستوى الإنسان في فهمه لذاته وللآخرين. ليست الحقيقة ما نقوله، بل كيف نقوله. فالصراحة التي لا تعرف الرفق ليست شجاعة، بل جهلٌ بمواطن الجمال في النفس البشرية، والمجاملة التي تفقد الصدق ليست أدبًا، بل هروبٌ أنيق من المواجهة.

‏وأن الحق يحتاج إلى لسانٍ رحيم، كما يحتاج الجمال إلى عينٍ صادقة.

‏ولأن الإنسان كائنٌ من توازن، لا من تطرف، فإن فضيلته العظمى أن يكون قادرًا على أن يقول الحقيقة دون أن يُطفئ ضوء اللطف، وأن يُمارس اللطف دون أن يُطفئ نور الحقيقة.

‏فليكن قولنا إذًا، لا حادًّا كالسكين، ولا ناعمًا كالدخان، بل كالماء: صافيًا، صادقًا، يلامس دون أن يجرح، وينقي دون أن يُهين.

الاخلاق
الوعي
المجتمع
السلوك
النفاق
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    تمردٌ على زيف الأقنعة: عندما تُحاكمنا الحياة لأننا رفضنا التمثيل

    تمردٌ على زيف الأقنعة: عندما تُحاكمنا الحياة لأننا رفضنا التمثيل

    الثلاثاء 29 ايلول 2026/
    حِراسَةُ الحَواسّ وصَوْنُ الهَويَّة: قِراءَةٌ في وعيِ الانْفِتاح

    حِراسَةُ الحَواسّ وصَوْنُ الهَويَّة: قِراءَةٌ في وعيِ الانْفِتاح

    السبت 12 ايلول 2026/
    حملة الرسالة.. توفيقٌ إلهي لحفظ الدين وإتمام النور

    حملة الرسالة.. توفيقٌ إلهي لحفظ الدين وإتمام النور

    السبت 29 آب 2026/
    الإمام الحسين ومسيرة الأربعين: إقامة الحجة وتجديد الميثاق الإنساني

    الإمام الحسين ومسيرة الأربعين: إقامة الحجة وتجديد الميثاق الإنساني

    الأثنين 03 آب 2026/
    شوقٌ ينهشُ الضلوع وإدراك شكر النِعَم

    شوقٌ ينهشُ الضلوع وإدراك شكر النِعَم

    الأثنين 27 تموز 2026/
    فلسفة العطش ... بين طلب العلم وعشق الحسين

    فلسفة العطش ... بين طلب العلم وعشق الحسين

    الأحد 05 تموز 2026/

    آخر الاضافات

    عمليات التجميل: هل يتغيّر الرضا بتغيّر الملامح؟

    كلمات تبني الطفل.. حين يصبح الحب مسموعًا

    الكتابة ليست مجرد هواية.. كيف تعيد تشكيل الدماغ وتقوي المرونة النفسية؟

    أثر العدوان اللفظي في تربية الأطفال

    ثمانية تجعلك تسعى للتقرب من أصدقاء أبنائك ومصادقتهم

    خيوط جديدة لفهم التصلب المتعدد.. فيروس كامن والتهاب مزمن في دائرة الاشتباه

    ما الذي تمنحه الألعاب للكبار؟

    التخطيط الناجح.. أربعة أعمدة تصنع الفرق

    آخر القراءات

    اكسير الحياة وكيمياءُ الروح

    النشر : السبت 15 شباط 2025
    اخر قراءة : منذ 43 دقيقة

    غانم المفتاح: المعجزة

    النشر : الأربعاء 07 كانون الأول 2022
    اخر قراءة : منذ 44 دقيقة

    كتب تَبْنِي مجتمعات

    النشر : الأربعاء 12 شباط 2025
    اخر قراءة : منذ 44 دقيقة

    انخفاض عدد ساعات النوم يرفع من أخطار أمراض القلب

    النشر : الأحد 01 حزيران 2025
    اخر قراءة : منذ 44 دقيقة

    هل يمكن أن يكون الخجل شيئًا خطيرا على الأطفال؟!

    النشر : الخميس 04 آيار 2023
    اخر قراءة : منذ 44 دقيقة

    ماهو الرابط بين التدخين وكورونا؟

    النشر : الأحد 22 تشرين الثاني 2020
    اخر قراءة : منذ 44 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    الأجهزة المحمولة تهدد بشرة الأطفال بـمتلازمة الجلد المحمص

    • 312 مشاهدات

    التربية الإسلامية للطفل.. من الرعاية المبكرة إلى بناء الشخصية

    • 310 مشاهدات

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (١)

    • 303 مشاهدات

    فيتامين "F".. التسمية القديمة لأحماض دهنية أساسية تحمي القلب والدماغ والبشرة

    • 300 مشاهدات

    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    • 299 مشاهدات

    التمايز الذاتي: كيف نحمي أنفسنا من الاستنزاف العاطفي؟

    • 293 مشاهدات

    لماذا تملّ القلوب؟ قراءة نفسية وتربوية في حكمة علوية

    • 763 مشاهدات

    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر

    • 622 مشاهدات

    الاستعداد النفسي للولادة.. حين تكون الطمأنينة نصف الطريق إلى الأمومة

    • 525 مشاهدات

    سننظر: منهج البحث عن الحقيقة

    • 517 مشاهدات

    أصداء : حين يرمم الأثرُ انكسارَ السند

    • 490 مشاهدات

    الإمام الحسن العسكري… دروسٌ في صناعة المنتظر

    • 488 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    عمليات التجميل: هل يتغيّر الرضا بتغيّر الملامح؟
    • منذ 14 ساعة
    كلمات تبني الطفل.. حين يصبح الحب مسموعًا
    • منذ 14 ساعة
    الكتابة ليست مجرد هواية.. كيف تعيد تشكيل الدماغ وتقوي المرونة النفسية؟
    • منذ 14 ساعة
    أثر العدوان اللفظي في تربية الأطفال
    • الأثنين 05 تشرين الاول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة