• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

مذكرات شهيد حي.. أنس بن الحارث الكاهلي

زهراء وحيدي / الثلاثاء 02 تشرين الاول 2018 / تربية / 3327
شارك الموضوع :

منذ صغر سني وانا طامعٌ بفيض كرم الله، كنت دائماً اقول لأمي لماذا لم يخلق الله مكاناً فاصلاً بين الحياة والموت، يذهب اليه الاشخاص الذين تعبوا

منذ صغر سني وانا طامعٌ بفيض كرم الله، كنت دائماً اقول لأمي لماذا لم يخلق الله مكاناً فاصلاً بين الحياة والموت، يذهب اليه الاشخاص الذين تعبوا من الحياة ولكنهم لم يريدوا الإنتحار!.

كانت تجيبني امي بنظراتها الحانية: هل تريد ان تموت؟. كنت ارفع رأسي الى السماء واقول بأعلى ترددات صوتي: لا لا لا.. يا امي انا لم اقصد الموت.

فهمتني بصورة خاطئة يا أمي، انا لا اريد الموت، بالعكس اظن أني سأعمر طويلاً.

كانت تضحك امي وتقول: انت غريب يا ولدي، لا افهم ماذا تريد بالضبط، ومن اين تأتي بهذا الكلام العجيب، تريد مكاناً آخر غير الحياة؟، وفي الوقت نفسه لا تريد ان تموت!، كيف يمكن ان يحدث هذا يا بني؟!.

كنت اقضي بصمتي الفاخر الى وجل اللحظة العميقة، ونظرات أمي الحائرة تحلق في سكون المكان، لم اقلها لكِ يا امي، ولكني بالفعل لم ارد الحياة، وروحي لم ترغب بالموت، اردت مكاناً ثالثاً لأمثالي، للأشخاص الذين لم تريحهم الدنيا، ولم يستطاب لهم الموت.. اليوم وجدت ضالتي يا امي وادركت جيداً ما كنت اريد، انها رائحة الشهادة.. الشهادة يا امي!.

لربما في وقتها كان حلم كل مسلم ان تفيض روحه بين يدي رسوله الأكرم، ويودع الحياة بروح سليمة.. إلاّ انا!.

نعم... كنت اقاتل في ساحات الوغى واخوض المعارك وانا اردد بين نفسي، يا ربي لا أريد الموت، ليس الآن يا الله، ليس الآن، وكأن الشهادة توزع على المؤمنين بنكهات مختلفة، وانا افضل تلك النكهة الشهية التي ليس كمثلها شهادة، وخلود ليس كمثله خلود!.

وكأن ابتسامة الرسول الكريم وانا احارب شر خلق الله كانت دلالة كافية على خوفي من الموت بهذه الطريقة وعلى هذه الأرض، وقلبي معلق بتلك الشهادة الحمراء تحت ظل المحبوب وعلى ارض ليس كمثلها ارض!.

بعد انتهاء المعركة، اجتمع بنا خير خلق الله، وانا انظر الى وجهه يتلألأ وكأنه كوكب دري، والسكون الذي يعتلي المكان كاد ان يشق الليل بهيبته، بينما ألقى الرسول الأكرم خطبته وتحدث عن آثار المعركة، نظر إلي نظرة غريبة، وابتسمت محياه وكأنه يريد ان يبشرني ويطفىء بكلامه ظمأ العمر الذي تحملت صيامه طيلة هذه المدة.

نظر إلي بكل ما أوتي من ايمان، وهمس بكلمات روحانية، تلاشيت على أثرها من شدة الفرحة، نعم قالها، اخيراً قالها، سألحق بالواقعة.. سأشارك المحبوب بالواقعة وسأنال مناي وسأجرب نشوة الطيران وسأحلق في ذلك المكان الذي لطالما حلمت به.

ستلمس جثتي ارض كربلاء، وسيختلط دمي بدم اطهر خلق الله، وستفيض روحي بين يدي المحبوب، هل هنالك سعادة اكبر من هذه! آهٍ متى سيأتي ذلك اليوم الموعود؟، متى!.

بدأت السنوات تمضي قُدماً، شاركت في غزوات عديدة، ولكن هذه المرة كلي طمأنينة واستقرار، ما عدت ارتجف خوفاً من ان أموت ولا احقق رغبتي، حتى مسكة السيف عندي تغيرت، ازددت ثباتاً،  بعدما اخذت جواز المشاركة من الرسول الأكرم، وتيقنت بأني لن اترك هذه الحياة قبل ان ابلغ مناي، وانال شرف الشهادة بين يدي المحبوب.

مرت الأيام وبلغت الحروب والمعارك مع الرسول الأكرم، ومن بعد الرسول اكملت المسيرة مع خليفته علي بن ابي طالب (عليه السلام)، واصبحت الايام تمر عليَّ مر السحاب ولا ازداد بها سوى ثباتاً ويقيناً بدين محمد وآله، وكلي أمل بذلك اليوم الموعود الذي اشهد فيه الواقعة الكبرى وازف الى جنتي مع اولاد الطهر.

كل من حولي شهدوا عليّ سوء صحتي وضعف بدني وكبر سني، ولكني ما لاحظت ذلك على نفسي ابداً، الاّ بعد ما سألني احد المارة:

- يا انس ابن الحارث الكاهلي هل لاحظت بأن لك من اسمك نصيب؟

-ابداً

- كيف ذلك وانت رجل كهل؟

-ربما يكون جسدي كذلك، ولكن روحي ليست كهلة، انها تزهر يوماً بعد يوم.

كلما دنوت اكثر من يومي الموعود، اخضرت ايامي وازهر قلبي.. وكأني في عد تنازلي للقاء المعشوق بأرض كربلاء!. اريد ان اعيش الثبات بينما ارى اللحظات الأخيرة تتراقص أمام عيني وقد غزا الشيب رأسي، وصوتي أصبح شبه خافت!، وكلي فخر بأني سأسقط شهيداً امام الحسين (عليه السلام) بوهن عظمي وكبر سني وأنا محنط باليقين التام، بأنه ليس هنالك شهادة كشهادة اصحاب الحسين بكربلاء!.

اصبحت الايام تلفظ انفاسها الاخيرة معي، وكل من كان يراني كان لا يصدق بأني سأوافي مهجتي مع الحسين (عليه السلام)، حتى قال لي احدهم وانا انتظر في منطقة الطف:

- ماذا تفعل في هذه الصحراء أيها الشيخ الكبير؟

- انتظر يوسفي...

- اراك ملازماً هذا المكان منذ وقت طويل، هل سيرد اليك (يوسفك) شبابك؟

-لا يا ولدي، لن يرد الي شبابي... سيرد إلي البصيرة.

رمقني بنصف ابتسامة واكمل طريقه، وبقيت أنا جالساً في مطرحي، انتظر يوسف زماني علّه يأتي الى كنعان العشق ويرد إلي بصيرتي، ويطفىء لهيب الانتظار المشتعل في دواخل وجودي.

اقتربت الساعة... بدأت اشم ريح يوسف، صدى الشهادة بات يعزف ألحانه قريبا من مسمعي، نعم، انا ارى ذلك اللون الاحمر يعتلي الافق، بدأت دقات قلبي تتسارع وكأنها تردد أبهى آيات العشق الالهي مع نسيم الصيف الحار.

تحقق وعد الرسول، رأيت الحسين (عليه السلام)، ها هو الحجة وها هي كربلاء وها انا.. هل لي أن اقول بان الاسطورة قد تحققت؟!، ولكنها ليست باسطورة... انها حقيقة، اذن تحققت الحقيقة.

لم تصدق عيني بأني أصبحت قريباً من الواقعة الى هذه الدرجة، احساس غريب بدأ يأكل حنايا قلبي، بدأ ينبت لي جناحان، طافت روحي بهما اثني عشر مرة حول الطف.

ما أعرفه بأن الروح تفيض الى السماء، اذن لماذا عندما سجدت سجدة شكر شعرت بأن روحي فاضت الى الأرض؟!.

تساؤلات كثيرة بدأت تتراقص في بالي.. فكل ما بات يحصل معي خارق للطبيعة الكونية، قلت مع نفسي: وعلى أساس ان ما سيحصل على هذه الارض قابل للتصور والتصديق!، ثم طردت جميع الافكار من رأسي لأستمتع بعمق اللحظة... وبعدما طلب مني المحبوب الأمر بالمعروف لهداية القوم، خرجت اليهم، وتمنيت لهم الهداية، حدثتهم عن ذلك المكان الذي ستفوز ارواحهم بالسكينة والحب، وسيحلقون على اثره الى جنة الطمأنينة والخلود!، ولكنهم كانوا ابعد من ان يفهموا لغة العشق هذه!، فقد اخذتهم العزة بالكفر!!.

ثم اخذت اذن الخروج من الولي، ووجهي يهلّل فرحاً غير مصدق بأني سأحيى من جديد، اعلم بأن الناس سيظنون بأني مت ظمآناً بكربلاء!، ولكن الحقيقة ليست كذلك، الحقيقة هي إني عانيت تسعين عاماً من عطش الإنتظار، لآتي الى ارض كربلاء واسقي عطشي بواقعة الطف هذه.

قتلت ثمانية عشر شخصاً بسيفي، ثم بدأت اشم تلك الرائحة... نعم انها هي، هي نفس تلك الرائحة التي حدثت امي عنها، والله هي... انني اشم العزة في الوجود.

اصبحت الرائحة أقرب الي... بدأت اركض الى مصدرها برجليّ الكهلتين، واردد مع نفسي: اماه هذه هي الرائحة التي حدثتك عنها.. انها تأتي من ذلك المكان المقدس الذي لطالما حلمت به، انها هي، والله هي.. بينما كنت اركض الى مصدر الرائحة الزكية لتأخذني الى حلم عمري، حتى انتبهت في الحقيقة بأنني لم اكن اركض بل كنت اطير!.

(من كتاب رجال صدقوا، اعداد جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية)
عاشوراء
الامام الحسين
كربلاء
قصة
الشهيد
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    القيادة الشرعية والصراع مع الباطل: كيف يحقق الإنسان دوره في زمن الغيبة

    القيادة الشرعية والصراع مع الباطل: كيف يحقق الإنسان دوره في زمن الغيبة

    الأحد 15 شباط 2026/
    مدارج الوعي الديني وارتباطه المباشر بالتكامل الانساني

    مدارج الوعي الديني وارتباطه المباشر بالتكامل الانساني

    الثلاثاء 27 كانون الثاني 2026/
    وحدة الأمة أم سقوطها؟ قراءة كاظمية في واقع التمزق الإسلامي

    وحدة الأمة أم سقوطها؟ قراءة كاظمية في واقع التمزق الإسلامي

    الخميس 15 كانون الثاني 2026/
    فلسفة الإمام علي في مواجهة طغيان الاستهلاك الحديث

    فلسفة الإمام علي في مواجهة طغيان الاستهلاك الحديث

    الثلاثاء 06 كانون الثاني 2026/
    ما لم تخبرنا به النظريات

    ما لم تخبرنا به النظريات

    الأربعاء 24 كانون الأول 2025/
    سائق المعارف إلى أين يمضي بركابه؟

    سائق المعارف إلى أين يمضي بركابه؟

    الأربعاء 17 كانون الأول 2025/

    آخر الاضافات

    عمليات التجميل: هل يتغيّر الرضا بتغيّر الملامح؟

    كلمات تبني الطفل.. حين يصبح الحب مسموعًا

    الكتابة ليست مجرد هواية.. كيف تعيد تشكيل الدماغ وتقوي المرونة النفسية؟

    أثر العدوان اللفظي في تربية الأطفال

    ثمانية تجعلك تسعى للتقرب من أصدقاء أبنائك ومصادقتهم

    خيوط جديدة لفهم التصلب المتعدد.. فيروس كامن والتهاب مزمن في دائرة الاشتباه

    ما الذي تمنحه الألعاب للكبار؟

    التخطيط الناجح.. أربعة أعمدة تصنع الفرق

    آخر القراءات

    امضِ قدما نحو سلم النجاح

    النشر : السبت 08 نيسان 2017
    اخر قراءة : منذ 55 دقيقة

    دور الإعلام المعادي في صناعة الانهيار

    النشر : الأثنين 22 حزيران 2026
    اخر قراءة : منذ 55 دقيقة

    ماهي الأمور التي تطيل العمر؟

    النشر : السبت 22 تشرين الاول 2022
    اخر قراءة : منذ 55 دقيقة

    ثقافة الامتنان

    النشر : الأحد 11 تشرين الثاني 2018
    اخر قراءة : منذ 55 دقيقة

    ماهي الطريقة الأمثل لتناول بذور الشيا؟

    النشر : الأربعاء 02 آب 2023
    اخر قراءة : منذ 55 دقيقة

    رأس المال المهاري

    النشر : الأربعاء 30 حزيران 2021
    اخر قراءة : منذ 55 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    الأجهزة المحمولة تهدد بشرة الأطفال بـمتلازمة الجلد المحمص

    • 312 مشاهدات

    التربية الإسلامية للطفل.. من الرعاية المبكرة إلى بناء الشخصية

    • 311 مشاهدات

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (١)

    • 303 مشاهدات

    فيتامين "F".. التسمية القديمة لأحماض دهنية أساسية تحمي القلب والدماغ والبشرة

    • 300 مشاهدات

    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    • 299 مشاهدات

    التمايز الذاتي: كيف نحمي أنفسنا من الاستنزاف العاطفي؟

    • 293 مشاهدات

    لماذا تملّ القلوب؟ قراءة نفسية وتربوية في حكمة علوية

    • 763 مشاهدات

    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر

    • 622 مشاهدات

    الاستعداد النفسي للولادة.. حين تكون الطمأنينة نصف الطريق إلى الأمومة

    • 525 مشاهدات

    سننظر: منهج البحث عن الحقيقة

    • 517 مشاهدات

    أصداء : حين يرمم الأثرُ انكسارَ السند

    • 490 مشاهدات

    الإمام الحسن العسكري… دروسٌ في صناعة المنتظر

    • 488 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    عمليات التجميل: هل يتغيّر الرضا بتغيّر الملامح؟
    • منذ 15 ساعة
    كلمات تبني الطفل.. حين يصبح الحب مسموعًا
    • منذ 15 ساعة
    الكتابة ليست مجرد هواية.. كيف تعيد تشكيل الدماغ وتقوي المرونة النفسية؟
    • منذ 16 ساعة
    أثر العدوان اللفظي في تربية الأطفال
    • الأثنين 05 تشرين الاول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة