ليست ولادة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) حدثًا عابرًا في صفحات التاريخ، بل هي لحظة استثنائية ارتبطت بالمكان الأقدس والزمان الأسمى، لتعلن منذ بدايتها عن شخصية فريدة خُلقت لتكون رمزًا للإيمان والعدل والشجاعة. فقد وُلد الإمام علي في جوف الكعبة المشرفة، في واقعة لم يُعرف لها نظير قبلَه ولا بعدَه، لتبقى شاهدًا خالدًا على مكانته العظيمة عند الله.
في الثالث عشر من شهر رجب، قبل بعثة النبي محمد ﷺ بعشر سنوات، كانت مكة تغصّ بأصنام الجاهلية، لكن نور التوحيد كان يستعد للانبثاق. جاءت فاطمة بنت أسد، أم الإمام علي، وقد أخذها المخاض، فاتجهت إلى بيت الله الحرام تستنجد به. وبينما هي تناجي ربها، انشقّ جدار الكعبة بأمرٍ إلهي، فدخلت من ذلك الشق، وغابت عن أعين الناس، ثم أُغلق الجدار من جديد. بقيت داخل الكعبة ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع خرجت وهي تحمل وليدها المبارك، لتُعلن ولادة أول من فتح عينيه على الكعبة، وأول من لامس جسده الطاهر أقدس بقاع الأرض.
هذه الولادة لم تكن مصادفة، بل إشارة واضحة إلى الارتباط العميق بين الإمام علي وبيت الله، ارتباطٍ سيترجم لاحقًا في حياته كلها؛ فهو أول من آمن برسالة النبي محمد ﷺ، وأول من وقف مدافعًا عن الإسلام، وأشدّ الناس تمسكًا بالحق. لقد نشأ الإمام علي في بيت النبوة، وتربّى في حضن الرسول، فكان علمه من علمه، وأخلاقه من أخلاقه، حتى قال فيه النبي ﷺ: «أنا مدينة العلم وعلي بابها».
ومنذ طفولته، ظهرت ملامح العظمة في شخصيته؛ شجاعة لا تعرف التردد، وحكمة تسبق عمره، وقلب عامر بالإيمان. لم تُغرِه الدنيا، ولم تُغره المناصب، بل ظلّ مثالًا للزهد والعدل، حتى وهو خليفة للمسلمين. كان يرى أن قيمة الإنسان فيما يقدّمه للحق، لا فيما يملكه من سلطان.
إن ولادة الإمام علي في الكعبة تحمل دلالة رمزية عميقة؛ فكما وُلد في بيت التوحيد، عاش حياته كلها في نصرة التوحيد، وكما احتضنته الكعبة وليدًا، احتضن هو الإسلام فارسًا ومدافعًا وقائدًا. ولهذا بقي اسمه مقترنًا بالعدل، وبقيت سيرته منارة تهدي السائرين في دروب القيم الإنسانية.
وهكذا، لم تكن ولادة الإمام علي مجرد بداية حياة، بل كانت بداية رسالة، عنوانها الإيمان، وجوهرها العدالة، وغايتها نصرة الحق في كل زمان ومكان.








اضافةتعليق
التعليقات