لم يكن مبعث النبي محمد ﷺ حدثًا عابرًا في سجلّ التاريخ، بل كان لحظة فاصلة غيّرت مسار الإنسانية بأكملها. ففي زمنٍ كانت القلوب فيه تائهة، والعقول أسيرة الخرافة، والنفوس غارقة في الظلم، أشرق نور الرسالة ليوقظ الضمائر ويعيد للإنسان كرامته ومعناه الحقيقي.
كانت الجزيرة العربية قبل البعثة تعيش حالة من الفوضى الفكرية والاجتماعية؛ عبادة للأصنام، وتعصّب للقبيلة، واستباحة للضعيف، وغياب شبه كامل لقيم العدل والرحمة. ورغم وجود بعض مظاهر الكرم والشجاعة، إلا أن المجتمع كان يفتقر إلى ميزان أخلاقي يضبط السلوك الإنساني ويرتقي به.
وفي هذا الواقع المضطرب، اختار الله تعالى محمد بن عبد الله ﷺ ليكون حامل أعظم رسالة عرفتها البشرية. نشأ النبي ﷺ معروفًا بين قومه بالصادق الأمين، ولم يكن طالب جاهٍ أو سلطان، بل كان صاحب قلب متأمل وعقل باحث عن الحقيقة. وكان يعتزل الناس في غار حراء، يتفكّر في الكون والحياة، حتى جاءه الوحي لأول مرة بكلمة صنعت التاريخ: “اقرأ”.
لم تكن الدعوة سهلة، ولم يكن الطريق مفروشًا بالورود. واجه النبي ﷺ التكذيب والسخرية والاضطهاد، واتُّهم بالجنون والسحر، وحورب في رزقه وأهله وأصحابه. ومع ذلك لم يحمل في قلبه حقدًا، ولم يقابل الإساءة بالإساءة، بل ظل يدعو بالحكمة والرحمة، ويؤكد أن رسالته إنما جاءت لتحرير الإنسان لا لإذلاله.
جاء مبعث النبي ﷺ ليصنع إنسانًا جديدًا، يؤمن بأن له قيمة عند خالقه، وأنه مسؤول عن أفعاله، وأن التفاضل بين الناس لا يكون بالمال ولا بالنسب، بل بالتقوى والعمل الصالح. فأصبح العبد سيدًا بالإيمان، والفقير عظيمًا بالأخلاق، والضعيف قويًّا بالعدل.
ولم تقتصر رسالة النبي ﷺ على إصلاح العقيدة فقط، بل شملت بناء مجتمع متوازن، يقوم على التعاون، واحترام الحقوق، وحفظ الكرامة الإنسانية. فأقام دولة أساسها الأخلاق قبل القوانين، والعدل قبل القوة، والرحمة قبل العقاب.
إن مبعث النبي ﷺ ليس ذكرى تُروى ولا مناسبة تُحتفل بها فقط، بل هو مشروع حياة متكامل، يعلّم الإنسان كيف يعيش بسلام مع نفسه ومع الآخرين، وكيف يكون عنصر بناء لا هدم، ونورًا لا ظلامًا.
لقد جاء النبي ﷺ ليخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام. وستبقى رسالته حيّة ما دامت القلوب تبحث عن الحق، والعقول تتوق إلى النور.








اضافةتعليق
التعليقات