العِزّة ليست مجرد شعورٍ عابر يزور القلوب ثم يرحل، وليست زينة نرتديها حين نريد ونخلعها عندما تضيق بنا الظروف. العِزّة موقف، ومبدأ، وحياة كاملة. هي الواجب الذي لا يُعفى منه أحد، والسلاح الذي يحفظ للإنسان كرامته بين الأمم. ومن يختار أن يعيش بلا عِزّة، يختار في الحقيقة أن يعيش بلا هوية، وبلا قيمة، وبلا أثر.
العِزّة واجب لأنها الأساس الذي تُبنى عليه شخصية الإنسان السوي. فمن دونها، يصبح الفرد تابعًا لكل ريح، خاضعًا لكل صوت مرتفع. الإنسان العزيز لا يُكسر بسهولة، لأنه يعرف من يكون، ويعرف ما الذي يستحقه وما الذي يرفضه. العِزّة هنا لا تعني الغرور، ولا التعالي، بل تعني أن يعرف الإنسان حقه في الحياة، وأن يدافع عنه بثقة وهدوء.
وفي مجتمعاتنا العربية، تحمل العِزّة بُعدًا أعمق؛ فهي جزء من الموروث الذي تربّت عليه الأجيال. كم من أمٍّ ربت أبناءها على أن “مَن هان يسهل الهوان عليه”، وكم من أبٍ أوصى ابنه بأن يحافظ على “رأسه مرفوعًا مهما كانت الظروف”. لم تكن هذه النصائح مجرد كلمات، بل كانت تعبيرًا عن فهمٍ عميق بأن العِزّة هي خط الدفاع الأول عن الكرامة.
وحين نقول إن العِزّة واجب، فنحن نعني أنّ على كل إنسان أن يمارسها في مواقفه اليومية، لا في المناسبات الكبرى فقط. كيف يتصرف مع الناس؟ كيف يحلّ خلافاته؟ كيف يواجه الظلم؟ كيف يدير اختلافاته؟ العِزّة ليست صراخًا ولا غضبًا ولا انفعالًا، بل ثبات في المبدأ دون إساءة أو ضعف. الإنسان العزيز قد يتسامح، لكنه لا يرضى بالمهانة. وقد يتنازل، لكن ليس في حق يخص كرامته أو إنسانيته.
كما أن العِزّة واجب لأنها ترتبط مباشرةً بالاستقلالية. الشخص الذي يعيش بلا عِزّة، يعيش تحت رحمة الآخرين، ينتظر رضاهم، ويخاف من خسارتهم. أمّا العزيز، فيعرف أن رزقه بيد الله، وأن مكانته يصنعها بسلوكه، لا باستجداء حبّ أو خوفٍ من رفض. لذلك ترى الإنسان العزيز حرًا، لأن الحرية بنت العِزّة، ومن دونها تصبح الحرية شعارًا فارغًا.
وللأمم كذلك عِزّتها التي لا تُفرط فيها. فالأمة التي تتنازل عن عِزّتها، تتنازل تلقائيًا عن قوتها. ليس التاريخ بعيدًا عنّا، فقد رأينا دولًا سقطت لأن أبناءها قبلوا المهانة، وأخرى نهضت لأن أهلها تمسكوا بالعِزّة قبل كل شيء. حين تكون العِزّة خيارًا، تسهل المساومة؛ لكن حين تكون واجبًا، يصبح الحفاظ عليها خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه.
ختامًا، العِزّة ليست شيئًا نطالب به الآخرين، بل شيئًا نبدأ به من أنفسنا. هي طريقة حياة، ومسار طويل من التربية والوعي والاختيار. العِزّة واجب، لأنها تحمي الإنسان من أن يتحول إلى ظلٍّ باهت، وتمنحه القدرة على الوقوف مستقيمًا مهما تعاظمت العواصف من حوله. ومن عاش بالعِزّة، عاش مكرمًا، محبوبًا، محترمًا، وترك أثرًا لا يزول مع مرور الزمن.








اضافةتعليق
التعليقات