يأتي شهر شعبان كنسمة إيمانية تسبق شهر رمضان، يحمل في أيامه فرصة عظيمة للاستعداد الروحي والنفسي والعملي لأعظم مواسم الطاعة في العام. فهو ليس مجرد شهر عابر بين رجب ورمضان، بل محطة مهمة للتزود بالطاعة، ومراجعة النفس، وتهيئة القلب لاستقبال شهر الصيام والقرآن.
يُعد شهر شعبان شهرًا غفل عنه كثير من الناس، مع أنه شهر تُرفع فيه الأعمال إلى الله تعالى، كما ورد عن النبي ﷺ أنه كان يُكثر الصيام فيه، وقال: «ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يُرفع عملي وأنا صائم». وهذا يدل على فضل هذا الشهر وأهميته، وعلى ضرورة استثماره فيما يقربنا إلى الله.
قبل دخول شهر رمضان، علينا أن نستغل شعبان في تصحيح النية وتجديد العزم. فرمضان ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل مدرسة متكاملة للتقوى. وشعبان هو الوقت المناسب لتعويد النفس على الطاعات تدريجيًا، حتى لا يدخل رمضان علينا فجأة فنشعر بثقله بدلًا من لذته.
من أهم ما يُفعل في شعبان الإكثار من الصيام، ولو بعض الأيام، حتى تعتاد النفس على هذه العبادة. كما يُستحب الإكثار من قراءة القرآن، فبدل أن نبدأ الختمة في أول يوم من رمضان ونحن منقطعون عنه، يكون شعبان فرصة للعودة إلى كتاب الله، ولو بقراءة صفحات قليلة يوميًا.
كذلك يُعد شهر شعبان وقتًا مناسبًا للتوبة الصادقة، ومحاسبة النفس على التقصير، وردّ المظالم، وتنقية القلوب من الحقد والحسد. فالقلب المثقل بالذنوب والضغائن يصعب عليه تذوق حلاوة العبادة في رمضان. ومن الاستعداد الحقيقي أن ندخل رمضان بقلوب سليمة، ونفوس مطمئنة.
ولا يقتصر الاستعداد على الجانب الروحي فقط، بل يشمل الجانب العملي أيضًا. فيمكن في شعبان تنظيم الوقت، ووضع خطة واضحة لرمضان: أوقات الصلاة، والقرآن، والذكر، والدراسة أو العمل، حتى لا يضيع الشهر في الفوضى والتسويف. كما يُستحسن التخفيف من العادات السلبية مثل كثرة الانشغال باللهو أو الإفراط في استخدام الهاتف، واستبدالها بما ينفع.
ومن الاستعداد المهم أيضًا تعلّم أحكام الصيام وآدابه، خاصة لمن يجهل بعض المسائل، حتى يؤدي العبادة على علم وبصيرة. فالعلم يرفع جودة العمل ويزيد الإخلاص.
شهر شعبان هو رسالة رحمة من الله، وفرصة ذهبية لا تتكرر إلا مرة في العام. من أحسن استقباله، أحسن استقبال رمضان، ومن غفل عنه، دخل رمضان مثقلًا بالتقصير. فلنجعل من شعبان بداية حقيقية للتغيير، وجسرًا نعبر به إلى رمضان بقلوب حية، ونفوس مستعدة، وأعمال صالحة تقرّبنا إلى الله.








اضافةتعليق
التعليقات