من المؤكد أنه قد سبق وأسديت لأحدهم معروفًا ثم تنكر لك، نسيك مباشرة ولم ينعكس ذلك المعروف على صفحات وجهه وبقي مقطبا كما كان، وهذه تجربة مؤلمة، ولا شك الحياة مليئة بهؤلاء الذين لا يعرفون كلمة شكرا ولا يتقنون النطق بعبارة أحسن الله إليك، وتعتبر الابتسامة لديهم من علم الغيب!
لذلك دعهم، فعمرك أقصر من أن تضيعه في لومهم، أو التفكر في مملكة النكران التي قرروا العيش فيها، وانصرف إلى الشكور سبحانه، لتحيي أزاهير قلبك التي حطمها هؤلاء، عش مع الشكور، تأمل ظلال هذا الاسم العظيم، وامسح تجعدات الحياة المتعبة بمعاني هذا الاسم الجليل.
إذا أعطاك الشكور أدهشك
سبحانه يشكر عبده على ما قدم من عمل صالح، وكلمة عمل صالح لا حدود لها، تكاد لعظمتها واتساعها تملأ ما بين السماوات والأرض، فهو سبحانه يأمرك بهذا العمل الصالح الذي فيه صلاح دنياك وآخرتك فإذا عملته يكون سبحانه هو المستحق لشكرك لدلالتك عليه، وتيسيره لك، وإصلاح حالك به، أليس كذلك، ولكنه بكرمه هو من يشكرك عليه، فهل في الكرم مثل هذا، وهل في الجود قريب من هذا، ولو بادر إلى ذهنك سؤال ستفنى الأعمار دون الإجابة عنه، كيف يشكرك؟
فكما أن ذاته سبحانه لا تدركها الأبصار، فإن أسماءه وصفاته لا تدرك كيفيتها ومنتهى علمها العقول، ومع ذلك فلنا من باب التفكر والتدبر أن نسيح مع هذا الاسم العظيم، ونستجلي ظلاله في حياتنا فمن شكره سبحانه يغفر الذنوب ويستر العيوب، يوفي الحسنات ويعظم الأجور يعطى الصحة والعافية والأبناء، والمال، والحياة الهانئة، ويرزقك الذكر الحسن والسمعة الطيبة، يستجيب دعواتك ويشعرك بقربه، ويؤنسك به يشفيك من أسقام مات غيرك بمثلها ويرفع عنك بلايا تضعضعت نفوس غيرك بأقل منها، يهديك إلى الحق، وقد ضل الكثير عنه، ويثبتك على الهداية، وقد زاغت عنها أفئدة من هم أذكى منك وأعلم منك وأقدم في الإسلام منك.
والآن اقرأ وتخيل :{مثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ }،هل انتهت؟ لا : ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ }
هي حبة في العمل تتحول بفضله وبكرمه وبشكره لك إلى سبعمئة حبة في الأجر والثواب، ويتبادر لنا السؤال كيف واحد يساوي سبعمئة؟
الجواب: تعمل صالحًا يستحق أجرًا مثله، فيأجرك الله مثله سبعمئة مرة، ويضاعف لمن يشاء، فمع كرم الله تتغير المسائل الحسابية لأنه كرم لا يخضع للمعادلات الحسابية، بل للفضل الإلهي، فسبحانه إذا أعطاك أدهشك، وإذا أكرمك أذهلك ومن ذا الذي لم يعطه العظيم ويكرمه الكريم، ونحن في كل لحظة من حياتنا بل في كل جزء من اللحظة نستقبل ما لا يمكن إحصاؤه من العطايا والهبات.
واذكر في الكتاب هؤلاء أنبياؤه عملوا الصالحات وجاهدوا لتبليغ كلماته، فشكرهم بأن أعلى ذكرهم وجعلهم قدوات يقتدى بهم وخلد قصصهم وعبرهم في أعظم كتبه، وحمى أعراضهم فلم يبح لأحد أن يستنقص من قدرهم أو أن يسيء الظن بهم، وغير ذلك من شكره لهم، ولذكرهم في كتابه مزية نستشعرها دائما، عبد من العبيد خلقه الله بقدرته، لم يكن شيئا مذكورا، ثم يقول عنه :{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا}.
مثقال الذرة في مملكة الكرم الإلهي
كما يشكر الكريم من عمل معروفًا، فكذلك سبحانه وله المثل الأعلى يشكر شكرا يليق بكرمه وبعزته وعظمته، شكرا لا كالشكر، فهو شكور لأن الشكر الواحد منه أعظم من كل شكر، وهو شكور لأن العمل الواحد منك يشكره المرة تلو الأخرى، وهو الشكور لأنه يشكر العمل الكبير والعمل الصغير بشرط أن يكون خالصا صوابا، فهو لا يشكر الأعمال العظيمة فقط بل حتى مثقال الذرة منك يشكره وينميه {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ}، فقد أدخل امرأة الجنة بشق تمرة، وبغيا بأن سَقَتْ كلبا، وثالثًا كل حياته ذنوب فأمر أبناءه أن يحرقوه ويذروه بعد موته خوفا من أن يعذبه الله، فأدخله الجنة بأن خاف منه، ورابعا ليس له إلا حسنة واحدة لأنه تصدق بها على صاحبه، وخامسا قتل مئة نفس لأنه هاجر إليه، ومن شكره سبحانه أن يعجل بثواب المتصدق، فيرزقه بركة ويغدق عليه من نعمه، و يخبرنا عليه الصلاة والسلام "إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ صَدَقَةَ عَبْدِهِ بِيَمِينِهِ وَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ".
وهذا من شكره وفرحه سبحانه بطاعة عبده، فإن كان سبحانه يعطي لا على شيء، فكيف إذا كان هناك شيء، كيف إذا فرقت بينك وبين بقية عباده الذين يرزقهم ويتحبب إليهم بالنعم بأن عملت صالحًا يرضاه، عند ذلك لا يجوز لك أن تعتقد أن لن يكرمك الكريم ويشكرك الشكور ويحمدك الحميد سبحانه، والله هو القادر على انتشالك مما أنت فيه، وأعلم جيدا أن لديك من الهموم والكروب ما لا يتناسب مع النجاة منها إلا لفظة (انتشال)، اعمل الخير، لينتشلك الله به، كما كان تسبيح يونس سبب انتشاله من بطن الحوت، إنك تتاجر مع ذي الكرم المتناهي وذي الشكر المتناهي وذي الفضل المتناهي.
وليست هناك احتمالية خسارة في سوق الله من يسير أمرها، فكن معه ثم ارقب أفضاله وشكره، لن يتركك ثق بذلك، لن تسجد لله سجدة إلا ويشكرك عليها شكرا يليق به ويكرمه، فاللهم أوزعنا أن نشكر نعمك واجعلنا لك ذاكرين ولنعمك شاكرين واهدنا لأعمال تجزل لنا عليها الشكر يا شکور یا حمید.








اضافةتعليق
التعليقات