لا يكفي اجتماع عنصري العلم والعقل وحدهما للوصول إلى التنمية البشرية والاقتصادية المنشودة، بل لا بد معهما من مساعد ونصير ووزير وهو "الحلم" وذلك سواء على المستوى الشخصي أو الاقتصادي، ولذا قال الإمام علي (عليه السلام):«الْعَقْلُ خَلِيلُ الْمَرْءِ وَالْحِلْمُ وزيره»
كما قال أيضاً: «الْعَقْلُ خَلِيلُ الْمُؤْمِنِ، وَالْحِلْمُ وزيره»
والملاحظ في الروايتين أن الإمام (عليه السلام) عبر تارة بـ «خليل المرء»، وأخرى بـ «خليل المؤمن»، مما يعني أن العقل خليل كل إنسان كما هو خليل المؤمن، وأن الحلم وزير للمؤمن كما هو وزير لكل إنسان، والقاعدة الأصولية العامة هي أن المثبتين لا يتعارض أحدهما مع الآخر، ولا يخصص أحدهما الآخر، وقد يكون ذكر "الأخص" لمزيد أهميته، أو لمزيد العناية به، ولكونه يحظى بالدرجة الأقوى من مراتب الحقيقة التشكيكية، فليس لسانه لسان النفي للغير.
ماهية الحلم ومعناه
أجاب الإمام الحسين (عليه السلام) عن تساؤل أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) حين سأله: "يا بني ما الحلم؟" فقال:
«كَظم الغيظ وملك النفس»
وفي مجمع البحرين يُعرّف الحليم بأنه: (الذي لم يعاجل بالعقوبة)، وقيل في تفسير الحلم إنه العقل والتؤدة، وضبط النفس عن هيجان الغضب، كما أن "الحليم" من أسمائه تعالى، وهو الذي لا يستفزه الغضب، والحلم كركيزة لنجاح المؤسسات فبالحلم تنمو المودة، وتزدهر العلاقات، ويكثر الأنصار والأعوان، وبالمقابل فإن الخرق والمعاجلة بالعقوبة، وعدم الصفح، والتسرع في الحكم، واتخاذ القرار عند أدنى هفوة، وعدم ضبط النفس لدى الاختلاف، يؤدي إلى نتائج كارثية تشمل:
- تشظي الشركات أو الجماعات وتفكك روابطها.
- سيادة الاضطرابات والنزاعات والصراعات والعنف المضاد.
- انهيار المؤسسة أو فقدانها الكامل للمصداقية، أو بقاؤها مشلولة في أحسن الفروض.
الحلم في الفكر الإداري الحديث
إن سعادة الإنسان واستقرار الحياة وازدهارها إنما هو بالحلم، والمدراء الناجحون هم الذين يقيمون صلة إنسانية مع موظفيهم تبتني على "الإدارة المطعمة بالحلم" وسعة الصدر والستر بالمغفرة، فإذا أخطأ الموظف أو تكاسل، كان الحلم نعم الناصح له، فالمدير بكرم أخلاقه يملك نفوس أعوانه، أما في حالات الإصرار والتمادي، فإن المزيج الناجح يتكون من:
- الحلم والحزم: دمج الصفح مع الجدية.
-الأساليب النفسية: استخدام الأساليب المتطورة في علم النفس والإدارة.
- قيادة العقل: أن يكون العقل هو الموجه لهذا المزيج لإنتاج أكبر الثمرات بأقل الخسائر.
وكنموذج عملي على ذلك: استعملت بعض الشركات اليابانية أسلوباً طريفاً لتفريغ موجات الغضب، بتخصيص قاعة تحتوي تماثيل للمدراء، ليتسنى للموظف تفريغ شحنة غضبه بالضرب واللكم، كبديل عن الصدام المباشر الذي قد يعطل العمل، فالحلم بين الوازع الداخلي والرادع الخارجي، يظهر كأحد أهم كوابح القدرة على مستوى الأشخاص وفي فقه الأحوال الشخصية، أما على مستوى المجتمع وفقه الدولة، فلا بد من وجود عامل خارجي رادع إلى جانب الوازع الداخلي، وهو إقرار "نظام التدافع والتعددية" مصداقاً لقوله تعالى:
{وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ}،
{وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتُ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كثيراً}، {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنافِسُونَ}.








اضافةتعليق
التعليقات