قد يبدو الدخول إلى المنزل بالأحذية تصرفًا يوميًا لا يستحق الاهتمام، غير أن نعل الحذاء يلامس خلال ساعات قليلة الأرصفة ودورات المياه العامة ومواقف السيارات والحدائق ووسائل النقل وغيرها من البيئات الملوثة. وفي أثناء ذلك، قد تلتصق به الأتربة والبكتيريا وبقايا الفضلات الحيوانية والمواد الكيميائية، ثم تنتقل إلى أرضيات المنزل. لذلك لا يُعد خلع الحذاء عند الباب مجرد عادة اجتماعية أو ثقافية، بل إجراءً وقائيًا بسيطًا يقلل دخول الملوثات إلى المكان الذي نعيش ونأكل ويلعب فيه الأطفال.
الأحذية وسيلة لنقل البكتيريا
تكشف الدراسات أن باطن الحذاء يمكن أن يحمل أعدادًا كبيرة من الكائنات الدقيقة. وقد وجدت إحدى الدراسات التي فحصت أحذية استُخدمت ثلاثة أشهر أن الحمل البكتيري تراوح بين 3,600 وثمانية ملايين وحدة مكوّنة للمستعمرات، وأن البكتيريا القولونية، ومنها الإشريكية القولونية، كانت من أكثر الأنواع انتشارًا. ويرتبط وجود هذه البكتيريا عادة بالتلوث البرازي، الذي قد يصل إلى الأحذية من أرضيات دورات المياه أو فضلات الحيوانات في الشوارع والحدائق. ومع المشي داخل المنزل، تنتقل نسبة من هذه الكائنات إلى الأرضيات والسجاد.
وأكدت مراجعة منهجية شملت ثلاث عشرة دراسة أن نعال الأحذية قد تحمل مسببات مرضية متعددة، مثل المكورات العنقودية الذهبية المقاومة للمضادات الحيوية، والمطثية العسيرة، وبعض أنواع البكتيريا السالبة لصبغة غرام والمقاومة لأدوية متعددة.
وقد رُصدت هذه الملوثات في الأحذية المستخدمة في المستشفيات والمجتمع وبيئات العمل المرتبطة بالحيوانات والأغذية. لكن المراجعة أوضحت أيضًا أن وجود الجراثيم على الحذاء لا يثبت وحده حدوث العدوى، وأن الأمر يحتاج إلى مزيد من الدراسات لقياس مساهمة الأحذية الفعلية في انتقال الأمراض.
انتقال التلوث إلى الأرضيات والسجاد
ليست المشكلة في وجود البكتيريا على الحذاء فحسب، بل في قدرته على توزيعها داخل البيت. فقد أظهرت تجربة أُجريت في منطقة ريفية بألاسكا أن أحذية معقمة التقطت بكتيريا معوية بعد المشي في الخارج، ثم نقلتها إلى أرضية معقمة في نحو نصف مرات المشي التجريبية. وهذا يؤكد أن الانتقال الميكانيكي من الخارج إلى الداخل أمر ممكن.
كما توصلت دراسة أُجريت في مدينة نيويورك إلى وجود بكتيريا دالة على التلوث البرازي في مياه الأرصفة، وعلى نعال أحذية المشاركين، ثم على الأرضيات الداخلية. وكان التلوث أعلى عند المداخل وفي الأماكن ذات الحركة الكثيفة، كما احتوى السجاد على أعداد أكبر من البكتيريا مقارنة بالأرضيات الصلبة المجاورة. ويرجع ذلك إلى أن ألياف السجاد تحجز الغبار والمواد العضوية والرطوبة، فتتحول إلى مستودع يصعب تنظيفه بصورة كاملة
مواد كيميائية تدخل مع الغبار
لا تقتصر حمولة الأحذية على الجراثيم؛ فقد تحمل أيضًا غبار الرصاص، وبقايا المبيدات الزراعية والمنزلية، ومشتقات النفط، وبعض مركبات PFAS المعروفة بالمواد الكيميائية الدائمة. وقد يوجد الرصاص في التربة المحيطة بالمباني القديمة أو في الغبار الناتج من أعمال الترميم وتقشّر الطلاء، ثم يلتصق بالأحذية ويُنقل إلى المنزل. ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة لأن الرصاص لا توجد له جرعة تعرض آمنة معروفة للأطفال، وقد يؤثر في نمو الدماغ والجهاز العصبي.
أما المبيدات فقد تلتصق بالأحذية بعد المشي في الحدائق أو المزارع والمساحات التي عولجت بمواد مكافحة الآفات. ومع تكرار الدخول، تتراكم هذه البقايا في الغبار المنزلي. ولا يعني ذلك أن كل حذاء يحمل كمية خطرة، لكن الحد من دخولها يتفق مع مبدأ تقليل التعرض غير الضروري للملوثات
من هم الأكثر تعرضًا؟
يكون الأطفال الرضع والصغار أكثر عرضة؛ لأنهم يزحفون ويلعبون على الأرض ثم يضعون أيديهم وألعابهم في أفواههم. كما تتزايد أهمية الحذر في المنازل التي يعيش فيها كبار السن أو أصحاب المناعة الضعيفة أو المرضى، وفي البيوت التي توجد فيها حيوانات أليفة. وقد تكون الأحذية المستخدمة في المستشفيات والمزارع ودورات المياه العامة أشد احتمالًا للتلوث، ولذلك يُفضّل عدم إدخالها إلى غرف المعيشة والنوم.
مع ذلك، فإن خلع أحذية الخارج لا يعني ضرورة المشي حافيًا. فالمشي الطويل على الأرضيات الصلبة قد يزيد آلام الكعب والتهاب اللفافة الأخمصية وإجهاد القدم، ولا سيما لدى من يعملون من المنزل أو يعانون مشكلات في القدمين. كما يحتاج مرضى السكري إلى حماية أقدامهم من الجروح والصدمات. والحل المتوازن هو تخصيص حذاء أو نعل مريح ونظيف للاستعمال داخل المنزل فقط، مع دعم مناسب لقوس القدم ونعل غير قابل للانزلاق.
إجراءات عملية
يمكن إنشاء منطقة صغيرة قرب المدخل لخلع الأحذية ووضعها على رف، مع توفير نعال داخلية لأفراد الأسرة والضيوف. وينبغي تنظيف منطقة المدخل بانتظام، ومسح الأرضيات الرطبة، واستخدام المكنسة المزودة بمرشح جيد للسجاد. ولا يكفي مسح نعل الحذاء سريعًا؛ إذ تشير المراجعة العلمية إلى عدم وجود طريقة بسيطة أثبتت نجاحها المستمر في تطهير جميع أنواع الأحذية.
في المحصلة، لا يعني ارتداء الأحذية داخل المنزل أن المرض سيحدث حتمًا، لكن الأدلة تثبت أنها تنقل البكتيريا والغبار والملوثات من الخارج. ومن ثم فإن خلعها عند المدخل، مع استخدام حذاء داخلي نظيف عند الحاجة، يمثل وسيلة سهلة ومنخفضة التكلفة لتحسين نظافة المنزل وتقليل التعرض للملوثات، خصوصًا لدى الأطفال والفئات الصحية الحساسة.




اضافةتعليق
التعليقات