قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَنٌ مَّرْصُوصٌ }.
إذا أراد الإنسان أن يعيش بعيداً عن المشاكل ويكون مرتاح البال، ويستثمر أكبر قدر ممكن من وقته فعليه بالنظم، فذلك يعد من أهم خطوات النجاح في الحياة، التي تبعدنا عن المشاكل أيضاً، فقد جاء في وصية أمير المؤمنين الثانية: «أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى الله ونظم أمركم....» ومن المعلوم أن الإنسان عندما يترك وصية قبل موته فإنه يذكر أهم الأمور، فكان النظم من أبرز الأمور التي ركز الإمام (عليه السلام) عليها في أواخر ساعات حياته الشريفة، وإن عبارة (ونظم أمركم) تعني أحفظوا ما يتعلق بكم عبر تنظيم أمركم.
لو قرأنا حياة الناجحين نجد أن أهم أسباب نجاحهم هو التخطيط والبرمجة، لذلك يُقال في عالم اليوم: إن أهم وزارة في بعض البلدان هي وزارة التخطيط، التي تأخذ على عاتقها تنظيم البرامج الحكومية، لذا توجد في بعض البلدان مؤسسات تخطيط أو وزارة، ولعل سبب التخلف في كثير من الدول هو غياب التخطيط، فقد نجد أن بعض الدول تخصص ميزانيات ضخمة لإنجاز بعض المشاريع، فلا توجد مشكلة من ناحية توفير الأموال، لكن نلاحظ البطء أو التعثر في إنجاز العمل، أو أن يكلف المشروع أكثر مما رصد له، والسبب هو ضعف التخطيط الذي يؤدي إلى الفوضى التي تقتل الوقت والأعصاب والإمكانات، لذا فعلى الشخص الذي يريد أن يستفيد من وقته أن ينظمه، وقد جاء في المثل: (إن تنظيم الوقت توسيعه)، ففي بعض الأحيان يجد الإنسان نفسه مشغولاً جداً بحيث يراه الآخرون في هم وانشغال بسبب بعض الأمور، لكنه في واقع الأمر لو نظم وقته وأموره لوجد متسعاً من الوقت.
هناك بعض الناس يقومون بأعمال كبيرة ومهمة جداً، ومع ذلك يملكون متسعاً من الوقت، ربما يُصرف في العبادة أو في أمور شخصية أخرى، وربما نلاحظ أحدهم ليس مشغولاً بأعمال تذكر، ومع ذلك ليست لديه فرصة للقيام ببعض أوليات حياته لأنه لم ينظم وقته، فإذا نظم الإنسان وقته في المجال الشخصي والأسري والاجتماعي أو في حلقة أوسع، فسوف يجد متسعاً من الوقت وفرصاً للنجاح أكثر والوصول إلى النتائج المرجوة، وإن هذا التنظيم للوقت ليس بالضرورة أن يختص بالعلماء الكبار، بل أي إنسان عادي بإمكانه تنظيم وقته، رجلاً كان أو امرأة، أو طالب في المدرسة أو غيره من أفراد المجتمع.
حينئذ يتضح للجميع حجم الفائدة التي يجنونها من الوقت المتاح أمامهم، وينسحب هذا أيضاً على الحياة الأسرية، فالزوج والزوجة والأولاد أو الأقرباء عليهم تنظيم أوقاتهم، لكي لا تحدث مشاكل حتى في الأمور الجزئية، فإذا كانت حياة الإنسان مبنية على النظام والبرمجة - حتى في الأمور الجزئية - فإنه لن يواجه المشاكل، أو أنها تنحسر وتقل، وسوف يستفيد من وقته أكثر، ويُخرج نفسه من الحيرة القاتلة، فإذا قام الزوجان بتنظيم برنامج لحياتهما اليومي والأسبوعي والشهري والسنوي - سواء في الأمور الصغيرة أم الكبيرة المهمة - فإنهما سيصلان إلى نتائج أفضل ومشاكل أقل، وتكون الاستفادة من الوقت أحسن، وعندما نراجع الأحكام الشرعية نجد أن قسماً كبيراً منها قد أخذ فيه النظام بنظر الاعتبار، لأن الإنسان إذا اعتاد على شيء، حتى لو تم ذلك في مجال واحد، فإنه سوف يسري إلى جوانب حياته كلها، وذلك لكي تنتظم حياتنا.
فالصلاة لها وقت معين وأفضل الوقت أوله، ومن فوائدها - عدا الجانب الغيبي - أن وقت الإنسان يكون منظماً، لذا فمن يؤدي صلاته في أول الوقت تكون سهلة جداً عليه، أما إذا أخرها فسوف يبقى باله مشغولاً، فقد يحدث مانع من أدائها، أو ربما ينساها، وهكذا يبقى فكره مشغولاً بالأمر، وهذا الانشغال قد ينسيه أموراً أخرى، لذا جاء في بعض الأحاديث:" يا بني، إذا جاء وقت الصلاة فلا تؤخرها شيء، صلها واسترح منها فإنها دين".
بمعنى أنك إذا أديت صلاتك في أول الوقت فإن فكرك وعقلك ووجدانك سيكون في راحة لأنك أديت ما أمرك الله به، فلا النفس اللوامة تلومك كون فكرك في راحة، وذلك لأنك مطالب بدين يجب عليك أن تؤديه، فأداؤه أسرع راحة للبال، وإن أهم رسالة هنا هي الدعوة للانتقال من "العفوية والارتجال" إلى "البرمجة والتخطيط"، فالحياة المنظمة هي التي تمنح الإنسان فرصة ليكون ناجحاً في دنياه (عبر الإنجاز) وناجحاً في آخرته (عبر الاستقرار النفسي والعبادي).








اضافةتعليق
التعليقات