إن سنتمترات ثلاثة من النسيج العصبي تحت الجمجمة قادرة على الإدراك والتفكير والفعل، ولا يمكن لأي حاسوب أن يجاريها والدماغ ينجز هذا العمل المعرفي الفذ لأسباب تعود في جزء منها إلى ما يقوم به من مزامنة بالغة الدقة للإشارات التي تومض عبر تريليونات الوصلات التي تربط ما بين بلايين الخلايا الدماغية.
فرؤية مزهرية تجعل مجموعات من النورونات (العصبونات) تطلق إشارات بفاصل زمني قصير من أجل تنشيط جزء الدماغ الذي يُسجل ذلك الشيء نفسه في تلك اللحظة بالذات. وفهم الكيفية التي يعمل بها نظام المزامنة هذا سوف يقودنا إلى فهم أفضل لسلوكنا من جهة، وإلى تمكيننا من بناء أجهزة حاسوبية وإلكترونية تشتغل - مثل الدماغ - بطريقة أكثر فعالية من الطريقة التي تعمل بها الآلات الرقمية المعهودة.
لقد صار بوسعنا اليوم أن نبحث في عدد كبير من تجارب الحياة والانفعالات ونحن البشر نمتلك مقدرة التعرف الفوري على وجه الأب أو الأم أو الزوج، أو وجه أحد الأصدقاء أو أحد الحيوانات الأليفة، سواء في ظلام الليل أو في وضح النهار، وسواء من الأعلى أو من الجانب، في حين لا يمكن الإنسالة مزودة بأفضل نظام رؤية حاسوبي أن يقوم بذلك من دون تلكؤ وإضافة إلى ذلك، فإننا نستطيع القيام بأفعال متعددة المهام من دون عناء، كانتشال منديل من جيوبنا ومسح جباهنا في الوقت الذي نتابع فيه حديثنا إلى أحد معارفنا. بيد أن تصميم دماغ إلكتروني يمكن أن يجعل الإنسالة قادرة على ممارسة مثل هذه التوليفة البسيطة من السلوك، لا يزال قيد احتمالات المستقبل البعيد.
تتألف الشبكات داخل جماجمنا من بلايين الخلايا الدماغية وتريليونات الوصلات فيما بينها. وإذا افترضنا أن التركيبة المعقدة لهذه الشبكات تجاري شبكة الإنترنت، فسيكون علينا أن نتساءل حينئذ، عن كيفية قيام الدماغ بإنجاز جميع ما ذكرناه؟ والكفاءة في استخدام الطاقة هي إحدى الإجابات: فعندما تتواصل خلية عصبية مع خلية أخرى، فإن الدماغ يستخدم فقط واحدا في المليون من الطاقة التي يستهلكها حاسوب رقمي لتنفيذ عملية مماثلة. وقد يكون التطور قد أدى بالفعل، دورا مهما في حثّ هذا العضو ذي الباوندات الثلاثة، على السعي الدائم إلى تحسين كفاءته في استخدام الطاقة.
غير أن الاقتصاد في استهلاك الطاقة لا يمكن أن يقدم لنا بمفرده تفسيرا وافيا لذلك، خاصة وأن الدماغ يخضع أيضا لتقييدات عديدة بحكم طبيعته البنيوية. فنورون (عصبون) واحد في القشرة الدماغية، على سبيل المثال، قادر على الاستجابة لمدخلات ترده من نورون آخر، وإطلاق موجة إسفينجية خلال جزء من ألف من الثانية، وهي سرعة بطيئة جدا إذا ما قورنت بسرعة الترانزستورات المستخدمة كبدالات في أجهزة الحاسوب، والتي لا تتجاوز جزءا من بليون من الثانية. إضافة إلى ذلك، فإن كفاءة الشبكات العصبية هي كفاءة متدنية فالإشارة (الإشعار) التي تطلقها خلية قشرية إلى خلية قشرية أخرى لا يتجاوز عادة احتمال وصولها إلى هدفها النهائي نسبة العشرين في المئة، وهي أقل من ذلك بكثير إذا ما كان هدفها الوصول إلى نورون بعيد وغير متصل مباشرة بالنورون الذي أطلقها.
ولا يفهم علماء الجهاز العصبي تماما كيف ينظم الدماغ عملية استخلاص معلومات مفيدة من مجمل الإشارات التي تجري بداخله. ومع ذلك، فقد تمكنا نحن الاثنان وغيرنا مؤخرا من تحقيق تقدم مثير من خلال تركيز اهتمامنا بصورة غير مسبوقة على الكيفية التي يقوم بها الدماغ باستعمال تزامن الموجات الإسفينية وسيلة لتكويد المعلومات ولحل سريع للمشكلات الحاسوبية المعقدة، وذلك استنادا إلى حقيقة أن هذه الفئة من الموجات التي تنطلق في اللحظة ذاتها تقريبا، قادرة على حمل معلومات أكثر بكثير مما يمكن أن تحمله فئة أخرى مكونة من موجات ذات أبعاد مماثلة، ولكنها لا تنشط بصورة متزامنة.
وبمعزل عن تقديم رؤية عن أعقد آلة معروفة في الكون، فإن تحقيق مزيد من التقدم في هذا المجال من البحث العلمي يمكن أن يفضي إلى تطوير أنواع جديدة كليا للحواسيب.
وقد قام العلماء بالفعل ببناء دارات إلكترونية على غرار الدارات العصبية تحاكي بعض جوانب شبكة الدماغ المطلقة للإشارات ويمكننا اليوم أن نصنع أجهزة مزودة بمليون نورون إلكتروني، ويجري التخطيط حاليا لتصنيع نظم أكبر من ذلك بكثير. وينبغي للباحثين أن يكونوا قادرين في نهاية الأمر على تصنيع حواسيب عصبية البنية تعمل بسرعة أكبر بكثير من الحواسيب الحديثة، ولكنها لا تحتاج إلا إلى قدر بسيط من الطاقة.








اضافةتعليق
التعليقات