كغيرنا من علماء الجهاز العصبي، غالبا ما نستخدم الجهاز البصري أداة لاختباراتنا، والسبب في ذلك يعود جزئيا إلى أن الترسيمة الأساسية لتشابكاته مفهومة جيدا فتزامن الإشارات في الجهاز البصري أو في غيره من مناطق الدماغ كان وما زال محط اشتباه في كونه يشكل جزءا حاسما من الكود الذي يستخدمه الدماغ لتحديد ما إذا كانت المعلومات العابرة للشبكة مجدية أو لا.
ومع ذلك، فقد تم تجاهل هذه الأفكار لعدة عقود، ذلك لأن التزامن لا يكتسب أهمية تذكر ما لم تُجر المقارنة بين أجزاء مختلفة من الدماغ، وقد كان آنذاك أمرا صعبا قياس النشاط في أكثر من نورون واحد بصورة متزامنة.
بيد أن تطوير نماذج حاسوبية للجهاز العصبي الذي جرى مؤخرا في المجال التطبيقي وما تمخض من نتائج جديدة عن العلوم العصبية والنظرية والتجريبية، قد شجعا على الاهتمام بمسألة التزامن بوصفها سبيلا لفهم أفضل للكيفية التي تتحاور بها النورونات معا.
وتتلقى خلايا الدماغ كافة أنواع المدخلات على فترات زمنية متباينة. فالإشارة المنطلقة من الأذن اليمنى مثلا، والتي تُقدّر سرعتها بالميكروثانية، ينبغي أن تُجرى مواءمتها مع الإشارة المنطلقة من الأذن اليسرى لوقوعها خارج إطار المزامنة قليلا وهذه الاستجابات السريعة يقابلها في الجانب الآخر جريان بطيء للهرمونات في الدورة الدموية.
وهكذا، فإن الإشارات الأكثر أهمية لمناقشتنا هذه هي الموجات الإسفينية، وهي ارتفاع حاد في التيار الكهربائي الذي يسري عبر النورونات وفيما بينها. والموجات الإسفينية، التي لا تدوم سوى أجزاء من الميلي ثانية، هي وسيلة للتواصل بين خلية وأخرى تلبية للاحتياجات الفورية.
لا يطلق النورون موجة إسفينية إلا بعد التأكد من أن المدخلات التي تحثه على العمل تفوق عددا تلك التي تحثه على التوقف عنه. وما أن يتأكد من ذلك، حتى تشرع الموجة الإسفينية في الهبوط على طول محوار الخلية وهو يشبه إلى حد ما سلكا كهربائيا متفرعا لتبلغ ذراه. وبعد ذلك، يجري نقل الإشارة بطريقة كيميائية عبر نقاط اتصال تُدعى مشابك, تربط المحوار بالنورون المستقبل.
وشبكية العين الواحدة تحتوي على مئة مليون مستقبل ضوئي تستجيب لأنماط الضوء المتغيرة. وما أن تُنهي النورونات في طبقات عدة معالجة الضوء الوارد إلى العين، حتى تبدأ مليون خلية عقدية في الجزء الخلفي للشبكية بتحويل هذه الإشارات إلى متوالية من الموجات الإسفينية تنتقل بواسطة المحاوير إلى أجزاء أخرى من الدماغ تقوم هي الأخرى بدورها بإرسال موجات إسفينية إلى مناطق الدماغ المسؤولة في نهاية المطاف عن إنتاج الوعي بالمدركات.
والمحوار الواحد قادر على نقل ما يصل إلى عدة مئات من الموجات الإسفينية في الثانية الواحدة، علما بأن ما يسري من هذه الموجات عبر التشابكات العصبية هو مجرد عدد قليل في معظم الأحيان. وجميع ما تدركه من العالم المرئي - أي جميع الأشياء المحيطة بك بأشكالها وألوانها وحركاتها - مُكوّد في هذه الأنهار من الموجات الإسفينية التي تتدفق بفواصل زمنية متفاوتة.
إن رصد نشاط العديد من النورونات في آن واحد هو أمر حاسم لفهم ما يجري في الدماغ ومنذ زمن بعيد، كان هذا الأمر، ولا يزال يشكل تحديا كبيرا، وأثر دراسة اجراها المعهد للدراسات البيولوجية في لاجولاً بكاليفورنيا في مقال لهم بأنهم تمكنوا من إنجاز المهمة العظمى المتمثلة في التسجيل المتزامن لجميع الموجات الإسفينية الناشئة عن مئات الخلايا العقدية المتجاورة في شبكيات القرود وبفضل هذا الإنجاز صار بإمكاننا أن نقتفي آثار المستقبلات الضوئية النوعية لأي خلية عقدية. وقدرتنا المتنامية في مجال التسجيل المتزامن للموجات الإسفينية الصادرة عن عدد كبير من النورونات، سوف تساعدنا على اكتشاف مغزى هذه الإشارات شبه الكودية.
ومنذ سنوات، يستخدم الباحثون طرائق عدة لتفسير، أو بالأحرى لفك كود، سيل الموجات الإسفينية المتدفق من الشبكية. وتقوم إحدى هذه الطرق على مبدأ عد الموجات الإسفينية الصادرة عن كل محوار بمفرده، ولفترة زمنية معينة وكلما كان معدل إطلاق الموجات أعلى كانت الإشارة أقوى. والمعلومات المنقولة بمعدل إطلاق متغيّر تقوم بإبدال كل ملمح من ملامح الصور البصرية - كالموقع في المكان ومناطق تباين الإضاءة ومكان ظهور الحركة ممثلا بمجموعة معينة من النورونات.
كما يتم نقل المعلومات بواسطة التزامن النسبي أيضا، أي عندما يرتبط إطلاق أحد النورونات لإشاراته ارتباطا وثيقا بلحظة انطلاق موجات إسفينية من خلية أخرى، فالخلايا العقدية في الشبكية على سبيل المثال، تتقن استشعار كثافة الضوء إتقانا بالغا ولها القدرة على الاستجابة لمشهد بصري متغير من خلال ما تنقله من موجات إسفينية إلى أجزاء أخرى من الدماغ.
فعندما يطلق عدد من هذه الخلايا العقدية إشاراته في اللحظة ذاتها تقريبا، فإن الدماغ يشتبه في كونها تستجيب لجانب من جوانب المدرك المادي ذاته. وقد وصف بارلو أحد أبرز علماء الجهاز العصبي الرئيسيين بجامعة كامبردج هذه الظاهرة بأنها مجموعة من التوافقات المريبة، ويُحيل بارلو في ذلك إلى مشاهدة تفيد بأن أي خلية من خلايا القشرة الدماغية يمكن تفعيلها بملمح من الملامح النوعية لمدرك مادي ولنقل، لونه أو توجهه ضمن مشهد، فعندما تُباشر بعض هذه الخلايا عملها في وقت واحد، فإن نشاطها حينئذ يُشكل «توافقا مريبا»، ذلك لأن هذا التوافق قد يكون فقط بخصوص مدرك فريد يحدث في زمن معين ولعل الدماغ، باعتماده مثل هذا التزامن، يعتبر أن الإشارات المتزامنة تجدر ملاحظتها لأن فرص ظهورها بهذا التنسيق مصادفة هي فرص ضعيفة.








اضافةتعليق
التعليقات