لم يكن العباس بن علي (عليه السلام) في كربلاء مجرد أخٍ يذود عن أخيه، أو بطلٍ يدفعه الحماس الفطري لحماية ذمار العشيرة؛ وإنما كان تجسيداً حياً لعنوان الغضب الرسالي بكل عنفوانه، ذلك الغضب الذي يترفع عن الذات المادية لينتصر للدين والمبدأ، وينسلخ عن العاطفة المجردة ليذوب في جوهر العقيدة الحقة والشريعة الالهية السمحة.
إنّ المتأمل في سيرة أبي الفضل (عليه السلام) يدرك يقيناً أن انقياده للإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن نابعاً من وشيجة الدم فحسب، أو ليعلي شأن بني هاشم كقبيلة، فقد كان عليه السلام يرى في الامام الحسين عليه السلام وجه الإسلام الذي أراد الطغاة تشويهه وطمس معالمه، فكان غضبه في الميدان هو الاحتجاج الصارخ ضد الانحراف الذي اجتاح الأمة الاسلامية. وصيانةً للرسالة التي جاء بها المصطفى
(صلى الله عليه واله)، فرفع لواء لا إله إلا الله عاليا بيمينه الذي كاد أن ينكّس تحت وطأة الزيف وضلالات الأرتداد الجاهلي.
لقد تجلى هذا الغضب الرسالي في كربلاء بصورتين:
منها الثبات على المبدأ واليقين الخالص بالله، فقد رفض أمان الطغاة، مؤثراً الموت في سبيل الحق على العيش في كنف الباطل، مؤكداً بصوتٍ هزّ التاريخ: والله إن قطعتموا يميني، إني أحامي أبداً عن ديني.
ومن رحم هذا الثبات، انبثقت الصورةُ الأخرى التي مثّل فيها أبو الفضل العباس عليه السلام أعلى مراتب البصيرة والوعي الديني؛ فالدفاع عن الامام الحسين عليه السلام هو دفاع عن المشروع الإلهي، وإحقاقا للعدل وازهاقا للباطل والظلم، وهو ما خَلّدته شهادة الإمام الصادق (عليه السلام) في حقه حين وصفه بأنه كان "نافذَ البصيرةِ صَلبَ الإيمان".
عندما اقتحم العباس عليه السلام الفرات، لم يكن يطلب الماء ليروي عطشاً فقط، فقد كان يسعى لسقاية شجرة الإسلام بدمائه لتظل خضراء شامخة. فكان سقوط الكفين توقيعاً بالدم على وثيقة حرية الإنسان وكرامته.
سيظل أبو الفضل عليه السلام عنواناً للثائر البصير الذي عرف أن نصرة الإمام الحسين عليه السلام هي السبيل الوحيد لبقاء الدين واستقامة الشريعة.
فهو البطل الذي حول ملاحم البطولة من فخر قبلي ضيق، إلى ملحمة كونية تحرس بيضة الإسلام، وتعلي راية التوحيد، ليبقى وجه الحق وضاء أبلج على مر العصور.
حتى غدا منارة للأحرار في بقاع الأرض وقبلة للثائرين على مدى الأزمان، تستهدي بـبصيرته الأمم؛ ولعلّ أبلغَ مِصداقٍ على هذا الموقف الرسالي الخالد هو شهادة الإمام الصادق (عليه السلام) في زيارته له، إذ يقول: "أشهد، وأُشهد الله أنّك مضيت على ما مضى به البدريون والمجاهدون في سبيل الله، المناصحون له في جهاد أعدائه، المبالغون في نصرة أوليائه، الذابّون عن أحبّائه، فجزاك الله أفضل الجزاء وأوفى الجزاء، وأوفى جزاء أحد ممن وفي ببيعته، واستجاب لدعوته، وأطاع ولاة أمره ..." .


اضافةتعليق
التعليقات