تتزايد الأبحاث التي تبحث في العلاقة بين التعرض للمبيدات الحشرية وبعض السموم البيئية ومرض باركنسون، في وقت لا يزال العلماء يحاولون فهم الآليات الدقيقة التي قد تجعل هذه المواد تؤثر في الدماغ وتزيد احتمالات الإصابة بالمرض.
وتشير الدراسات إلى أن التعرض لفترات طويلة أو لمستويات مرتفعة لبعض المبيدات، ومنها الباراكوات والروتينون، ارتبط بزيادة خطر الإصابة بمرض باركنسون. ويربط الباحثون ذلك باحتمال حدوث إجهاد تأكسدي والتهاب واضطراب في عمل الميتوكوندريا، وهي عمليات يمكن أن تؤثر في الخلايا العصبية المنتجة للدوبامين.
ملاحظة أثارت تساؤلات
في وادي ريو غراندي بولاية تكساس الأميركية، لفت انتشار مرض باركنسون انتباه عالمة الأعصاب كيلسي بيكر، التي انتقلت إلى المنطقة عام 2018 لمواصلة أبحاثها في مجال السكتات الدماغية وإصابات الحبل الشوكي.
وبحكم قرب المنطقة من الأراضي الزراعية، تقول بيكر إنها لاحظت وجود نشاط مكثف لرش المبيدات، وهو ما دفعها إلى التساؤل حول الدور المحتمل للعوامل البيئية في انتشار بعض الأمراض العصبية.
ولا يعني وجود المبيدات في البيئة أن التعرض لها يؤدي حتماً إلى الإصابة بباركنسون، لكن هذه الملاحظات تنسجم مع مجموعة من الدراسات التي تبحث في العلاقة بين السموم البيئية والتنكس العصبي.
ماذا تقول الدراسات عن المبيدات؟
على مدى سنوات، استخدم الباحثون مواد كيميائية مثل الباراكوات والروتينون في نماذج مخبرية لدراسة آليات تلف الخلايا العصبية المرتبطة بباركنسون.
وتشير نتائج هذه الأبحاث إلى أن بعض هذه المواد يمكن أن تؤثر في الخلايا العصبية من خلال زيادة الإجهاد التأكسدي، وإحداث خلل في الميتوكوندريا، وتعزيز الالتهابات العصبية، وهي عوامل يُعتقد أنها قد تسهم في تلف الخلايا المنتجة للدوبامين.
كما أظهرت دراسة نشرت عام 2025 في مجلة الجمعية الطبية الأميركية (JAMA) ارتباطاً بين السكن بالقرب من ملاعب الغولف وزيادة خطر الإصابة بباركنسون. وطرح الباحثون احتمال أن يكون التعرض غير المباشر لمواد كيميائية مستخدمة في تلك المناطق، عبر الهواء أو المياه أو التربة، أحد العوامل التي تستحق مزيداً من الدراسة.
التعرض قد يسبق ظهور الأعراض بسنوات
يُعد التعرض المهني والبيئي أحد مجالات البحث المهمة في دراسة أسباب باركنسون، خصوصاً أن المرض قد يتطور تدريجياً قبل ظهور أعراضه بسنوات.
ويرجح الباحثون أن يكون لتوقيت التعرض ومدته ومستواه دور في تحديد المخاطر، إلى جانب عوامل أخرى، من بينها الاستعداد الوراثي.
وفي هذا السياق، لا تعني العلاقة الإحصائية بين التعرض لمادة معينة والإصابة بالمرض أن كل شخص يتعرض لها سيصاب بباركنسون. فخطر الإصابة يتأثر بمجموعة معقدة من العوامل، وقد تختلف الاستجابة من شخص إلى آخر.
الباراكوات تحت المجهر
يُعد مبيد الأعشاب الباراكوات من أكثر المواد التي خضعت للدراسة في هذا المجال. وتشير أبحاث إلى وجود علاقة بين التعرض له وزيادة خطر الإصابة بباركنسون، فيما لا يزال العلماء يبحثون في طبيعة هذه العلاقة وآلياتها.
كما أثار انتشار استخدامه في بعض المناطق نقاشاً حول المخاطر الصحية والبيئية المرتبطة به، خصوصاً في ظل وجود قيود أو حظر على استخدامه في عدد من الدول.
وفي الولايات المتحدة، شهدت السنوات الماضية دعاوى قضائية رفعها أشخاص مصابون بباركنسون وعائلاتهم ضد شركات مرتبطة بتسويق أو توزيع الباراكوات، مع ادعاءات تتعلق بمعرفة مخاطر المادة. وتبقى هذه الادعاءات والنتائج القانونية موضوعاً منفصلاً عن تقييم الأدلة العلمية حول العلاقة بين المبيد والمرض.
كتاب يطرح فرضية مثيرة للجدل
وفي كتابهما "خطة باركنسون"، يناقش الطبيب راي دورسي والطبيب مايكل أوكون دور العوامل البيئية في انتشار المرض، ويطرحان فرضية مفادها أن جزءاً مهماً من حالات باركنسون قد يرتبط بعوامل يمكن الحد من التعرض لها.
ويستند هذا الطرح إلى مجموعة من الدراسات التي بحثت في العلاقة بين المبيدات والسموم البيئية والتنكس العصبي، إلا أن العلماء يؤكدون في المقابل أن أسباب باركنسون معقدة، ولا يمكن اختزالها في عامل بيئي واحد.
عندما تتداخل الجينات مع البيئة
لا يبدو أن العوامل الوراثية والبيئية تعمل بصورة منفصلة. فبعض الأشخاص يحملون تغيرات جينية، مثل تلك المرتبطة بجيني GBA1 وLRRK2، قد تؤثر في قابلية الخلايا العصبية للتضرر.
ويركز مجال متنامٍ من الأبحاث على ما يعرف بتفاعل الجينات والبيئة، في محاولة لفهم سبب اختلاف تأثير التعرض نفسه من شخص إلى آخر. فقد يتعرض شخصان للمواد ذاتها أو للظروف البيئية نفسها، لكن أحدهما قد يصاب بالمرض بينما لا يصاب الآخر.
ويشير ذلك إلى أن الإصابة بباركنسون قد تكون نتيجة تفاعل معقد بين الاستعداد الوراثي والعوامل البيئية ونمط التعرض ومدته وتوقيته، وليس نتيجة سبب واحد.
الحاجة إلى مزيد من البحث
على الرغم من تزايد الأدلة التي تربط بعض المبيدات بارتفاع خطر الإصابة بباركنسون، لا تزال هناك أسئلة علمية عديدة بلا إجابات نهائية، خصوصاً ما يتعلق بالجرعات التي قد تشكل خطراً، ومدة التعرض، والاختلافات الفردية في الاستجابة.
لذلك يواصل الباحثون دراسة الآليات التي تربط السموم البيئية بالتنكس العصبي، في محاولة لتحديد عوامل الخطر بصورة أدق، وفهم كيفية تفاعلها مع الاستعداد الوراثي، بما قد يساعد مستقبلاً في تطوير وسائل أكثر فاعلية للوقاية من المرض.








اضافةتعليق
التعليقات