منذ القِدم شغلت ظاهرةُ العين والحسد عقولَ البشر، وتناقلتها الثقافاتُ والمجتمعات عبر الأجيال، حتى أصبحت جزءًا من الموروث الشعبي والديني. فكم من إنسانٍ تدهورت صحته فجأة دون مبرر أو تفسير.
وقد تناولها القرآن الكريم والسنة النبوية بوضوح، مما يدل على أنها ليست مجرد خرافات شعبية، بل حقائق غيبية لها أثرها في حياة الإنسان.
العين تُصيب بإعجابٍ خالٍ من ذكر الله، والحسد ينشأ من تمني زوال النعمة عن الغير، وكلاهما يحمل طاقة سلبية قد تؤثر في الصحة، والعلاقات، وحتى البركة في البيت. وفي زماننا المعاصر، ومع انتشار الصور والمظاهر عبر وسائل التواصل، أصبح الناس أكثر عرضة لهذه الطاقات دون وعي أو حماية.
وفي هذا الموضوع سنغوص في الفرق بين العين والحسد، ونكشف عن علاماتهما وأسبابهما وطرق الوقاية والعلاج، مستندين إلى النصوص الشرعية والتجارب الواقعية؛ لنفهم كيف نحمي أنفسنا ونعيش بنور الطمأنينة والرضا.
فنبدأ بالعين، ونذكر الحديث الوارد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال:
«العين حقٌّ تستنزل الحالق».
ومعنى هذا الحديث أن الإصابة بالعين حقيقة وأمر واقعي، وليست خيالًا أو وهمًا.
والمقصود بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: تستنزل الحالق، والحالق أي المُحْلِق، ويُقصد به الجبل وما شابهه، أي إن الإصابة بالعين يمكن أن تستنزل جبلًا من شدتها وقوة أثرها.
وإذا أردنا تعريف العين نقول:
العين هي طاقة سلبية تخرج من عين العائن إلى شخصٍ صاحب نعمة معينة، فتصيبه وتؤذيه وتؤثر فيه. وقد ثبت دينيًا وعلميًا تأثير عين الإنسان المعجب إذا لم يُبرك أو يذكر الله.
وثبت تأثيرها ليس فقط على الأشخاص ذوي النعم، بل حتى على الجماد والحيوان.
وقد أثبتت الدراسات في علم النفس الطاقي أن النية والمشاعر قادرة على التأثير في الآخرين عبر ما يُعرف بـ(الطاقة غير المرئية)، وهو ما يتقاطع مع المفاهيم الدينية التي تؤكد وجود أثر العين، وتدعو إلى التحصن بالدعاء والذكر.
وقال الله سبحانه وتعالى في سورة الكهف، الآية (39):
﴿لولا إذ دخلتَ جنتكَ قلتَ ما شاءَ الله لا قوةَ إلا بالله﴾.
وفي هذه الآية إشارة وتهذيب من الله سبحانه وتعالى، إذ يعلمنا أن المسلم إذا دخل إلى مكان فأعجبه، فعليه أن يذكر الله سبحانه وتعالى ويقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله.
فإنه إذا فعل ذلك، لم تضر عينه الطرف المقابل الذي أُعجب به، سواء كان إنسانًا أو حيوانًا أو جمادًا، وهذا قانون حتمي ينطبق على سائر ما خلق الله عز وجل.
فيجب على الإنسان المؤمن إذا رأى ما يعجبه أن يُبرك ويذكر الله سبحانه وتعالى، وهذا من الأمور الجميلة التي تعود اللسان على ذكر الله دائمًا، لما في ذلك من خير وبركة وسعادة.
وفي أغلب الأحيان يكون سبب إصابة العائن للمعيون هو التركيز على ما عند الغير من نعم، وعدم الرضا والقناعة بما عنده، فينشغل بما عند الآخرين، وينسى أو يتناسى ما أنعم الله به عليه، حتى وإن كان يعيش في يسرٍ ورخاء. وهذا كله سببه ضعف الإيمان بالله، وعدم اللجوء إليه والاستعانة به.
وقد جاء ذكر العين في قوله تعالى في سورة يوسف، الآية (67):
﴿يا بنيَّ لا تدخلوا من بابٍ واحد وادخلوا من أبوابٍ متفرقة وما أُغني عنكم من الله من شيء إن الحكمُ إلا لله عليه توكلتُ وعليه فليتوكل المتوكلون﴾.
وجاء في تفسير هذه الآية أن يعقوب عليه السلام خشي على أبنائه من العين، لأنهم كانوا رجالًا أقوياء حِسان الهيئة، فأمرهم أن يدخلوا من أبواب متفرقة، مع أخذه بالأسباب وتوكله على الله.
ومن أقوى الآيات الدالة على حقيقة العين والحسد قوله تعالى في سورة القلم، الآية (51):
﴿وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون، وما هو إلا ذكرٌ للعالمين﴾.
أي إن الكفار من شدة حقدهم وغيظهم كانوا ينظرون إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم نظراتٍ حادة تكاد تُصيبه بالأذى، ومعنى ليزلقونك أي ليسقطونك أو يهلكونك بنظرهم، وهي إشارة إلى العين.
وقد ورد في السيرة النبوية حديث الصحابي سهل بن حنيف (رضي الله عنه)، حين أُصيب بالعين، وفيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:
«علام يقتل أحدكم أخاه؟! هلا برَّكتَ»،
ثم أمر العائن أن يتوضأ، ويُصب ماء وضوئه على المعيون، فقام سهل من ساعته لا بأس به.
وفي هذا الحديث تعليم نبوي واضح بخطورة العين، ووجوب التبريك، وبيان طريقة العلاج الشرعي منها.
أما الحسد، فهو أن يرى الإنسان نعمةً عند غيره فيكره وجودها، ويتمنى زوالها عنه.
ومن الناحية النفسية، يُعد الحسد انعكاسًا لمشاعر النقص والغيرة، وقد يؤدي إلى طاقة سلبية تؤثر في العلاقات والصحة النفسية.
والحسد من أخطر أمراض القلوب، وهو أول معصية وقعت في السماء حين حسد إبليسُ آدمَ عليه السلام، وأول ذنبٍ وقع في الأرض حين حسد قابيلُ هابيلَ فقتله.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
«إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب».
ووصف القرآن الكريم الحسد بأنه شر يُستعاذ منه، فقال تعالى:
﴿ومن شر حاسدٍ إذا حسد﴾ [الفلق: 5].
وقال تعالى في سورة النساء، الآية (54):
﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله﴾.
وللاستشفاء من العين والحسد، كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعوّذ الحسن والحسين عليهما السلام بقوله:
«أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامّة».
وفي الختام، يبقى الحسد والعين من أخطر ما يفسد صفاء القلوب، ويزرع الكراهية بين الناس، فالحاسد لا يهنأ بنعمة، ولا يسعد بما عنده، لأنه منشغل بما في أيدي الآخرين.
وقد أمرنا ديننا الحنيف أن نحفظ قلوبنا من هذا الداء، وأن نرضى بما كتب الله لنا، فالرزق بيد الله وحده، يقسمه بحكمته وعدله.








اضافةتعليق
التعليقات