العيد من الأوقات التي تتمازج فيها المشاعر مابين فرحة العيد وغصّة الفقد، لا أعني فقد الأحبة، فهذا الشعور مع كونه مؤلما للقلوب الا إنه قد لا يشمل الجميع، إنه فقد من نوع آخر يتكرر على مرّ الأعوام وتجدد الأعياد؛ حزن دفين لا يشعر به إلا الموالون لمحمد وآل محمد، الذين كرروا في دعائهم خلال ليالي شهر رمضان: "اللهم إنا نشكو إليك فقد نبينا صلواتك عليه وآله وغيبة ولينا ".
فيوم العيد من الأوقات المخصوصة بإمام زماننا، لذا تعصف بقلوبنا مشاعر الشوق لرؤية طلعته الرشيدة، بجمالها الهاشمي، وسلوكها المحمّدي، كل عيد يوجعنا الحنين لحضوره المقدس بين ظهرانينا ونحن نأتمّ به في صلاة العيد!
هذا الفقد المضني، واللوعة المتجددة بقوة وعنفوان على كرّ الأزمنة جعل قراءة دعاء الندبة من الأعمال المستحبة يوم العيد؛ فنحن بحاجة لقراءة هذا الدعاء لنعيش تفاصيل غربتنا عن إمام زماننا، نحن بحاجة لنضع بين يديه الكريمتين فقرنا واحتياجنا لوجوده المبارك، نناجيه بكل صفاته وسجاياه، نناشده بآبائه المعصومين، واتصال نسبه الشريف بالشموس الطالعة، والأقمار المنيرة، والأنجم الزاهرة، وبكل ما تنطوي عليه ذواتهم المقدّسة من نعوت وأوصاف، نتوسل إليه بآمالنا المتجذرة في عمق مآسينا ليحقق رجاءنا المنشود: "هل إليك يا بن أحمد سبيل فتُلقى، هل يتّصل يومنا منك بغده فنحظى، متى نردُ مناهلك الرويّة فنروى، متى ننتقع من عذب مائك فقد طال الصدى، متى نغاديك ونراوحك فتقر عيوننا، متى ترانا ونراك، وقد نشرت لواء النصر ترى أترانا نحف بك وأنت تؤم الملأ، وقد ملأت الأرض عدلا" .
إن تكالب الظالمين المتكبّرين على المستضعفين يزداد عتوّا وعنفا يوما بعد يوم بصورة صار من الصعب استيعابها، تكاد عقولنا تنذهل من فضاعة ما نرى من صور الظلم والوحشية؛ لتزداد قناعتنا بضرورة خروج المنقذ المخلّص ليضع حدا لجور الجائرين وبغي الظالمين!.
الإمام الغائب ماكان ينبغي أن يكون غائبا لولا ماوقع من ظلم على أجداده عندما ابتزّتهم الأمة مقامهم الإلهي، وإمامتهم التامّة لشؤون الدين والدنيا، صفوف المصلّين يوم العيد يجب أن تأتمّ ببقية الله في الأرض لا بإمام سواه، يجب أن يعود الحق لأهله لتستقيم الأمور، ويتوقف مدّ الظلم الذي دام طويلا !
يحدّثنا التاريخ عن الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري، أنه كان في المدينة في أحد الأعياد، وكان الوالي يومها من قبل يزيد بن معاوية مروان بن الحكم، وقد أمر مناديه أن ينادي في الناس بالخروج إلى البقيع لصلاة العيد، فكان أهل المدينة يهرعون باتجاه البقيع بينما جابر يسير باتجاه معاكس، لأن بوصلته الإيمانية تقوده باتجاه إمام زمانه، دخل مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) فوجده خاليا إلا من الإمام السجاد (عليه السلام) كان يصلي صلاة الفجر وحيدا بينما أهل المدينة يصلون صلاة العيد بإمامة مروان بن الحكم الذي لعنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو في صلب أبيه الحكم بن أبي العاص؛ العدو اللدود للنبي (صلى الله عليه وآله) حيث
طرده خارج المدينة وقال عنه: "لعنَ اللَّه الحكمَ وما وَلدَ " .
وضع يثير الأسى والألم، لكنه الوضع الطبيعي عندما يُسرق الحق من أصحابه الشرعيين!
هذا مشهد، ومشهد آخر في إمامة الإمام الرضا (عليه السلام) عندما كان وليا للعهد في خلافة المأمون، حيث طلب المأمون من الإمام (عليه السلام) الخروج لصلاة العيد، فاشترط عليه الإمام أن يؤدي الصلاة كما كان يؤديها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقبل المأمون الشرط، فلما خرج الإمام (عليه السلام) مكبرا ومهللا، كبّر الناس معه، وعلت أصواتهم، وترددت أصداء التكبير في أزقة المدينة، ورأى الناس فيه انعكاس لصورة جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله)؛ فهاجت مشاعرهم وانفعلوا أي انفعال؛ فضجّوا بالبكاء، وماجت مدينة مروا بأهلها، ذلك المشهد الذي وصفه البحتري بقوله:
ذكروا بطلعتِكَ النبيَّ فهلّلُوا
لمّا طلعتَ من الصفوفِ وكبّرُوا
حتّى انتهيتَ إلى المصلّى لابساً نور الهدى يبدو عليكَ فيظهرُ
ومشيتَ مشيةَ خاشعٍ متواضعٍ للهِ لا يزهى ولا يتكبّرُ
ولو أنَّ مشتاقاً تكلّفَ غير ما في وسعِهِ لمشى إليكَ المنبرُ !
عندما وصل الخبر للمأمون، فزع وتراجع بسرعة عن قراره وأمر الإمام بترك الصلاة والعودة إلى بيته؛ لأنه أدرك إن الإمام لو صلّى بالناس بتلك الكيفية مع انفعالهم وتجاوبهم مع حضوره المقدس فإن الأمور سوف تخرج عن السيطرة، وستنقلب الأمة ضده!
تقول الرواية: "عندما رجع الإمام من دون أن يُصلّي، اختلف أمر الناس في ذلك اليوم ولم تنتظم صلاتهم"!
نعم هكذا يكون الحال عندما يُغيّب المعصوم عن الساحة، أو يُنحّى ويهمّش دوره في قيادة الأمة، تعمّ الفوضى وتتعدد مظاهر الضياع !.
أفلا ينبغي لنا في يوم العيد بدلا من تبادل التهاني أن نردد فيما بيننا: "اللهم عجل لوليك الفرج"؟
اضافةتعليق
التعليقات