كنوز من العلم والمعرفة ورّثها سيد العُباد للعالم لمن يبحث عن نهج قويم، كلمات تحمل إشارات عميقة وما أجمل ما تركه (صلوات الله وسلامه عليه) في دعائه مكارم الأخلاق حيث يقول فيه: وانتهِ بنيتي إلى أحسن النيات.
قد نراها جملة بسيطة لكنها تحمل دلالات عميقة. ماذا يعني الإمام صلوات الله عليه عندما يطلب من الله سبحانه أن انتهِ بنيتي إلى أحسن النيات. في هذه العبارة لو عدنا إلى الدلالات والمعاني اللغوية فإنها تعني الوصول أو الانتهاء إلى الغاية المحددة. كأنما طريق وينتهي إلى غاية معينة.. فصلوات الله عليه سيد الساجدين يشير إلى أن الأساس الداخلي والقصد في الأعمال هي النية. أساس العمل لا يكتمل إلا بالنية. كلّ عمل يؤديه الإنسان حتى في علاقاته مع الآخرين يحتاج إلى النية. ما نيتي من القيام بهذا العمل؟. ولعلي بدأت بنية سليمة لله سبحانه وتعالى، لكن هنا قول الإمام صلوات الله عليه يبين أن النية ربما تتغير فهي تمر بطريق من بداية العمل حتى نهايته وفي هذا الطريق لربما تصادف الإنسان عثرات. وقد يحيد عن طريقه، أو يسير بهذا الطريق بشكل مستقيم حتى يصل إلى غايته. وهنا يشير مولانا الإمام السجاد صلوات الله عليه إلى أن نياتنا تحتاج إلى استمرارية كي نصل إلى الغاية المقصودة.
وهناك أيضًا معنى روحي وأخلاقي لهذا القول فهو يشير إلى التحرر، تحرر الروح، والنفس من الشوائب الدنيوية. فالدنيا تصيب النفس والروح بكثير من الشوائب.. فيها يحتاج الإنسان إلى أن يتحرر روحيًا ونفسيًا من الشوائب التي تختلط بالعمل. وغاية النوايا الحسنة هي السعي إلى الله سبحانه وتعالى. وفي نهاية هذا السير يصل الانسان إلى المرحلة التي تصفى بها النية من كل شائبة.
وكذلك مولانا زين العابدين (عليه السلام) يقول أن تعبد الله كأنك تراه. الإنسان إذا لم يشعر بوجود الله ويعمل كأنه يراه سينسى ويبتعد، وهذا المستوى من العبادة كأنك ترى هي مرحلة اليقين التي وصل إليها أهل البيت (صلوات الله عليهم).. وأهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم في كثير من الأحاديث يشيرون إلى أهمية خلوص النية لله سبحانه وتعالى. منها قول الإمام علي (عليه السلام): طهروا أعمالكم بالنية الصادقة. فالنية الصادقة طهارة للعمل.
والحياة الدنيا نواجه فيها مطبات كثيرة نحتاج فيها إلى الثبات وذلك يحتاج قوة وعزم. وانتباه شديد كي نسير بطريق أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم، وننتهج النهج القويم. والنية لها دور كبير في عمل الإنسان. وأن يصل هذا العمل لله سبحانه وتعالى يمر بمراحل وهذه المراحل التي تمر بها النية وربما تتغير ويحتاج المرء حينها أن ينتبه ويرجعها كما بدأ بها.
في طريق الوصول إلى الله سبحانه وتعالى يبينون أهل بيت الرحمة أنه لا شيء في هذه الدنيا له قيمة أمام الله سبحانه وتعالى فأعطوا كلّ ما لديهم حتى الأنفس. لهذا خلوص النية يحتاج إلى معرفة.
بلا معرفة يختل العمل والعبادة لذا أكد رب الجلالة في آيات كثيرة على أهمية التدبر للوصول إلى المعرفة، وأمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة له يقول: "أول الدين معرفته". والمعرفة تحتاج إلى تسليم لله سبحانه.
ولما كانت نية إبليس في عبادته تشوبها شوائب وليست خالصة لم يُحسب من العُباد وحلّت عليه لعنة الله لأنه لم يثبت ولم تطهر نيته بمعرفة وتسليم.
فجملة واحدة قالها زين العابدين (عليه السلام) في دعاء ضمّ مضامين عالية من المعارف فتحت لنا آفاقاً ونبهتنا لأمر قد نغفل عنه.
فما أثمنها من درر تركوها سادة العلم لو تمعنا ونظرنا لدرت علينا بكنوز من المعرفة.




اضافةتعليق
التعليقات