إن علم النفس الفردي يستطيع أن يُساعدنا كثيراً في التعرف على جميع أنواع البشر وفي تفهم القاعدة المشتركة أو العوامل المشتركة بين أفراد الجنس البشري مهما اختلفت أنواعهم، فعلى سبيل المثال: نستطيع أن نجد أنواع الفشل نفسها ظاهرة في سلوك المجرمين بقدر ظهورها في سلوك كل من الأطفال ذوي المشاكل، والعصابيين والذهانيين، والمنتحرين، ومدمني الخمور، والشاذين جنسيا، فكل هؤلاء فشلوا في مواجهة مشكلات الحياة وفي منطقة محددة وملحوظة على وجه الخصوص ألا وهي الاهتمام بالمجتمع وبـ التعاون معه والمساهمة فيه، وكل واحد من أولئك وهؤلاء قد فشل في هذا بالطريقة نفسها تماماً، فهم غير مهتمين بزملائهم في الجنس البشري.
لكن - وحتى بعد كل ما سبق ذكره - فإننا لا نستطيع التمييز بينهم وبين باقي البشر، فإنه لا يوجد فرد - أيا كان ومهما بلغ صلاحه - يمكن أن ينظر إليه على أنه النموذج الكامل الأمثل لـ التعاون أو الشعور الاجتماعي، والمجرمون لا يختلفون عن عامة المجتمع إلا في حدة وحجم فشلهم.
سعي الإنسان نحو التفوق
إن أهم الأشياء التي يجب فهمها عن المجرمين هو أنهم ممتلئون بالرغبة في التغلب على الصعوبات فكلنا نسعى إلى الوصول لتحقيق هدف مستقبلي وتحقيق هذا الهدف سوف يساعدنا على الشعور بالقوة والتفوق وبأننا كاملين.
إن هذه النزعة أو الرغبة قد تمت الإشارة إليها على أنها سعي نحو تحقيق الأمان والبعض سماه سعيا نحو الحفاظ على الذات، لكن أيا كان الاسم الذي نعطيه إياها فإننا سنجد أن جميع البشر ممتلئون بهذا الشعور.
إنّ هذا الشعور يبدأ في مرحلة مبكرة جدًا من الطفولة ويستمر حتى آخر يوم في حياتنا، إنّ الحياة تعني أن نستطيع الاستمرار في الوجود على سطح هذا الكوكب،... في جميع الأفعال والمواقف التي يتخذها المجرمون من الحياة يتضح سعيهم الحثيث نحو الوصول إلى التفوق ونحو حل المشاكل التي تواجههم ونحو التغلب على الصعوبات التي تعترض طريقهم، ولكن الذي يميز بينهم وبين باقي البشر ليس سعيهم الحثيث نحو تحقيق الهدف، ولكن الاتجاه الذي يتخذونه في محاولاتهم لتحقيق هذا الهدف، وهم يتخذون هذا الاتجاه؛ لأنهم لم يفهموا متطلبات الحياة الاجتماعية وأيضاً لأنهم غير مهتمين بإخوانهم البشر، ولهذا كثيراً ما نجد أن أفعالهم تتسم بالتخبط.
العلاقة بين البيئة المحيطة والوراثة والتغيير
إن الكثيرين يبالغون في أهمية عامل الوراثة، فهم يعتقدون أن المجرم قد ولد شريراً بالوراثة وهو لا يستطيع إلا أن يستمر في حياة الإجرام، والبعض الآخر يقول: إن المجرم لا يستطيع أن يغير طبيعته إذا ما بدأ في حياة الجريمة.
ولكن هناك كما هائلاً من الأدلة يثبت خطأ وجهات النظر السابقة، وحتى إذا تقبلنا بعضها فإنّ هذا سيجعلنا عاجزين عن حل مشكلة الجريمة، أما إذا أردنا وضع نهاية لهذه الكارثة الإنسانية (الجريمة) بأسرع ما يكون فإنه علينا أن نرفض أمثال هذه الآراء التي تحاول أن تضع كل اللوم على عوامل مثل الوراثة أو البيئة المحيطة.
إنه لا يوجد عيب في الوراثة أو البيئة المحيطة، والأطفال الذين يولدون في العائلة نفسها، وفي البيئة المحيطة نفسها يمكن أن يكونوا مختلفين كل الاختلاف عندما يصلون إلى مرحلة البلوغ، وكثيرًا من المجرمين يأتون من عائلات لا غبار عليها بل إن بعضهم أتى من أكرم العائلات، والعكس صحيح فإنه كثيراً ما يخرج شخص لا غبار عليه من عائلات ذات تاريخ في السجون والإصلاحيات ويكون هذا الشخص ذا أخلاق حميدة وسلوك قويم.
الأكثر من هذا هو أنه أحيانًا يحدث أن يغير المجرم من أسلوب حياته الأعوج. ويستقيم إلى غير رجعة. ولقد عانى الكثير من علماء النفس المتخصصين في دراسة الجريمة من محاولة تفسير سلوك السارق الذي يتوقف عن السرقة متى بلغ سن الثلاثين، ويتحول إلى مواطن مثالي.
فلو أن الميول الإجرامية كانت عيبا وراثياً كما يدعي البعض، أو تأثيراً من تأثيرات البيئة المحيطة بالإنسان خلال طفولته كما ادعى البعض الآخر، فإن حقيقة مثل الحقيقة السابقة تصبح مستحيلة الفهم.
من وجهة نظري فإنه لا توجد أي صعوبة في فهم هذا التغير في السلوك فتفسير هذه الظاهرة بسيط: إن الفرد يجد نفسه في مواجهة ظروف أفضل، كأن يتعرض لضغوط ومشاكل أقل أو لا يكون هناك الكثير من المتطلبات التي عليه الإيفاء بها، وبهذا تختفي الظروف التي أجبرته على تبني أسلوب خاطئ في الحياة، أو ربما يكون قد حصل على كل ما يريد من الجريمة، فهي بهذا لم تعد تخدم هدفه في الحياة أو ربما يكون قد وصل إلى مرحلة عمرية لا تسمح له بالاستمرار في ممارسة الجريمة مما يعرضه للعقاب أكثر.
تأثيرات الطفولة وأسلوب الحياة الإجرامي
إن الأسلوب الوحيد لتقويم المجرمين هو اكتشاف ما حدث لهم خلال مرحلة الطفولة ومنعهم من أن يتعلموا التعاون، إن علم النفس الفردي قد ألقى بعض الضوء على هذه المشكلة فعندما يبلغ سن الطفل الخامسة تكون نفسيته قد تشكلت وتكونت بطريقة شبه دائمة وتكون شخصيته قد بدأت في التشكل والظهور، وهنا تبدأ كل من الوراثة والبيئة المحيطة في التأثير على نمو هذا الطفل، ولكن علينا أن نتذكر أننا غير مهتمين بما يحضره الأطفال إلى هذا العالم ولا بالخبرات التي يواجهونها، وإنما كل اهتمامنا يكون مركزاً على الطريقة التي يستخدمون بها هذه الأشياء، وأهم ما يجب أن تركز عليه هو الاستخدام الأمثل لهذه الخبرات والخصائص التي أتى بها هؤلاء الأطفال إلى العالم وهذا لأننا نجهل كل شيء عن العجز أو القدرات المورثة، وكل ما يعنينا هو التركيز على الإمكانيات المستقبلية لهذا الطفل وتحقيق الاستخدام الأمثل لهذه الإمكانيات.
إن الظروف المخففة التي يلجأ إليها كل المجرمين هي أن لديهم قدرة محدودة على التعاون، ولكنها غير كافية لتلبية طلبات المجتمع، من هذا نرى أن المسئولية الكبرى تقع على عاتق الآباء. إن عليهم أن يتفهموا الكيفية التي يمكن بها توسيع نطاق اهتمامات الطفل بالمجتمع من حوله حتى يشمل كل من يراه، فإن على الآباء أن يتصرفوا بطريقة تجعل الأطفال يهتمون بالجنس البشري ككل بقدر اهتمامهم بمستقبل حياتهم الشخصية، لكن أحيانًا يكون الآباء غير راغبين في زيادة اهتمام أطفالهم بالمجتمع، ويكون هذا نتيجة لكون الزواج غير موفق ووجود خلافات دائمة بين الأبوين، أو ربما يكون السبب هو اعتزام الوالدين الطلاق، وأحيانا تكون الغيرة بين الوالدين سببًا في محاولة حصر اهتمام الطفل في أحد الوالدين، فيقوم هذا الوالد (الأب أو الأم) بتدليل الطفل بصورة مبالغ فيها حتى يصبح الطفل معتمداً عليه (أو عليها) بصورة كاملة، وبالتالي تصبح قدرة ونمو هذا الطفل على التعاون محدودة للغاية.
إن اهتمام الطفل بغيره من الأطفال هو أمر في غاية الأهمية لتحقيق أكبر قدر من التعاون والاهتمام الاجتماعي، إذا كان أحد الأطفال هو المفضل لدى أبويه فإن باقي الأطفال سيرفضون صداقة هذا الطفل، وسيعملون على إخراجه من دائرتهم الاجتماعية، وإذا ما تفهم هذا الطفل الظروف المحيطة به بطريقة خاطئة فإن هذا سيكون نقطة البداية في تكوين مجرم جديد.
إذا كان هناك طفل في العائلة ذو قدرات خارقة فإن الطفل التالي له سيكون طفلاً ذا مشكلة، والعكس صحيح أيضًا فكثيراً ما يحدث أن يكون الطفل الثاني وديعًا وأنيسًا وساحر الشخصية مما يجعل أخاه الأكبر يشعر بأنه محروم من العطف والحنان، وهذا يجعل من السهل على الطفل الأكبر أن يخدع نفسه ويصبح مهووساً، فتتملكه فكرة أنه مهمل دون ذنب، ويبدأ في البحث عن أدلة لإثبات صحة وجهة نظره، ويزداد سلوكه سوءاً بمرور الوقت، وعندما تتم معاملته بعنف وحدة أكثر بسبب سوء سلوكه فإنه يتخذ من هذا دليلاً على صحة اعتقاده بأنه يعامل معاملة غير عادلة، ولأنه يشعر بالحرمان فإنه يلجأ إلى السرقة وعندما يتم اكتشاف إحدى سرقاته فإنه يعاقب مما يعطيه دليلاً جديداً على صحة اعتقاده بعدم عدالة البيئة المحيطة به، ويصبح لديه إثبات على أن الجميع لا يحبونه وأنهم كلهم ضده.
عندما يشكو الأبوان من ظروف مادية صعبة أمام أطفالهم فإن هذا قد يسبب الكثير من المصاعب في نمو وتطور قدراتهم على الاهتمام بالمجتمع من حولهم.
الشيء نفسه يمكن أن يحدث إذا ما كانوا كثيري الشكوى من أقربائهم أو جيرانهم، أيضًا إذا كان الأبوان ينتقدان الآخرين بكثرة مظهرين مشاعر الحقد والكراهية تجاه كل من يختلف عنهم في العقيدة أو الجنس أو اللون أو غيره فإنه من الصعب أن نتخيل وجود أطفال ذوي نمو صحي واهتمام بالمجتمع من حولهم في مثل هذه الأجواء المريضة، بل إنني لن أندهش إذا ما انقلب هؤلاء الأطفال ضد آبائهم في نهاية الأمر.
عندما يتم وضع الكثير من الصعوبات والعقبات في طريق الاهتمام بالمجتمع من حولنا، فإن كل ما يتبقى هو الأنانية وحب الذات، ويمتلئ الطفل بشعور من اللامبالاة فهو كمن يقول: لماذا يجب على أن أهتم بالآخرين؟.
وعندما لا يستطيع الطفل مواجهة مشاكل الحياة بسبب تبنيه لوجهة النظر السابقة فإنه يبحث عن طريق سهل للخروج من تلك المشاكل: فهو يعتقد أن الطريق السليم بالغ الصعوبة، وهو لا يرى غضاضة في إيذاء الآخرين في سبيل الوصول إلى حل سهل لمشاكله فهو يعتبر نفسه في حرب وفي الحرب كل شيء مشروع.
في إحدى العائلات كان الطفل الثاني هو الطفل ذو المشكلة، كان الطفل يتمتع بصحة جيدة ولم يكن يعانى من أي عجز وراثي، وكان أخوه الأكبر هو المفضل في العائلة بسبب إنجازاته مما جعل الأخ الأصغر يحاول دائما اللحاق به كما لو كان في سباق دائم معه، وكانت اهتمامات - الأخ الأصغر – الاجتماعية معدومة فقد كان شديد التعلق بوالدته ويعتمد عليها بصورة دائمة في كل احتياجاته، كانت مهمة هذا الصبي في التنافس مع أخيه مهمة صعبة، فقد كان الأخ الأكبر متفوقاً في دراسته بينما كان هو غير ناجح في دراسته على الإطلاق.
وعندما تزوج ازدادت الصعوبات التي تواجهه بالطبع، ولكن كل همه كان إحراز السبق على أخيه الأكبر في الزواج، فقد كان ينظر إلى هذا السبق على أنه نصر مؤزر، وهذا يوضح لنا مدى عدم ثقته بنفسه، وحيث إنه كان غير مستعد للزواج أو مؤهل له فإن المشاحنات سرعان ما دبت بينه وبين زوجته، وعندما أصبحت أمه عاجزة عن تقديم العون المالي له فإنه قام بشراء آلات بالتقسيط وباعها دون أن يسدد الأقساط مما تسبب في دخوله السجن.
في هذه الحالة نستطيع أن نرى جذور المشكلة التي تسببت في تحوله إلى الإجرام، فقد نشأ هذا الفتى في ظل أخ أكبر منه وأكثر تفوقاً في كل شيء، مثله مثل شجرة صغيرة نمت في ظل شجرة أكبر منها، وقد أعطاه هذا الانطباع بأنه ضئيل وتافه ومهمل مقارنة بأخيه الأكبر.








اضافةتعليق
التعليقات