• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

في ثرى البقيع... كُلُّ الذي دون الفِراقِ قليلٌ

هدى المفرجي / الأربعاء 01 تشرين الاول 2025 / اسلاميات / 1051
شارك الموضوع :

لقد رحل جسدُ فاطمة الزهراء، لكن دروسَها باقية، دروسُ الوفاء، والصبر، والإيمان الراسخ

ما إن هدأت العيون، ونامت الأبصار، وسكنت المدينة تحت جنح ظلامٍ كان وكأنه يحمل ثِقَلَ العالم على كاهله، بدأ موكبُ الدموع يسير على نعشٍ تُقدّمه خيوطُ تلك الليلة الحزينة التي لا تُنسى، ليلةٌ همستْ فيها فاطمةُ لعليٍّ همساتٍ كانت آخرَ ما تودّع به الدنيا:

"أوصيكَ يا ابنَ عمّ أن تتخذ لي نعشاً، فقد رأيتُ الملائكةَ صوّروا صورته."

هي لحظاتٌ تقابلتْ فيها كلماتُ فاطمَ مودّعةً وجهَ عليٍّ (عليه السلام) المتألم، في ذلك البيت الذي خبا نوره برحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وفي تلك الحُجرة التي ما زالت تتنفس ذكراه، استندت الزهراء إلى قلب زوجها، ذلك القلب الذي كان ملاذ النبيّ ومأوى الإيمان. نظرت إليه بعينين مثقلتين بألم الدنيا، وحنين الآخرة، عينين رأتا جبريلَ يُخاطب أباها، ورأتا أمةً تتصارع بعد نبيّها، وأكملتْ بصوتٍ خافتٍ كحفيف أجنحة الملائكة، يقطر شوقاً للقاء الحبيب الأعظم، وألقت في قلبه وصيّتَها:

"يا علي... أوصيك أن لا يشهد أحدٌ جنازتي من هؤلاء الذين ظلموني وأخذوا حقي، فإنهم أعدائي وأعداء رسول الله صلى الله عليه وآله، وأن لا يُصلي عليّ أحدٌ منهم ولا من أتباعهم، وادفني في الليل إذا هدأت العيون ونامت الأبصار." (1)

كانت الكلمات تسقط من شفتيها كاللآلئ المكلومة، كل كلمة جرحٌ جديدٌ في قلب عليٍّ، وذكرى مؤلمةٌ بفراقٍ سيأتي لا محالة، هي التي عاشت في كنف أعظم خلق الله، تريد أن تموت كما عاشت: بعزةٍ وكرامةٍ وطهارة. لا تريد لعينٍ غريبةٍ أن ترى ما أراد الله أن يستره، لذلك ألقت في قلبه همَّها الأخير: أولادها اليُتمى؛ الحسن، الحسين، زينب، وأم كلثوم.

ثم سكتت...

وسمع عليٌّ صوتَ الصمتِ الذي هو أقسى من كل العواصف. شعر بيدها تضع في كفّه أمانتها الأخيرة، وأمانةَ رسول الله من بعدها، ثم أغمضت عينيها لتستعدَّ للرحلة الأطول... رحلة اللحاق بأبيها.

ثم سار النعش في ظلمة الليل، يحمله عليٌّ، وكأن المدينة كلَّها قد حبست أنفاسها حُزناً؛ فهي لم تكن جنازةً عادية، بل كانت قطعةً من القلب تُسحب من صدور المؤمنين. كانت بضعة النبي تُعاد إليه في جوف الليل، ابنةُ سيّد المرسلين تُوارى في الظلام كما أوصت؛ حفاظاً على سرّ جسدها الطاهر، وكأن الدنيا بأسرها لم تعد تستحق أن تشهد جثمان من طهّرها الله تطهيراً.

انتهى الموكب، ووُري الجثمان الطاهر في ثرى البقيع، لكن تلك الهمسات، والوصيّة، وذلك الحزن الذي اختلط بتراب القبر، بقي ينزف في قلب عليٍّ إلى الأبد، بكلماتٍ نُقلت عنه عليه السلام: (2)

"لكل اجتماعٍ من خليلين فُرقة

وكلُّ الذي دون الفِراقِ قليلُ

وإن افتقادي فاطماً بعد أحمدٍ

دليلٌ على أن لا يدوم خليلُ"

لقد ذهب الجسد الطاهر، لكن جُرح الفِراق بقي نازفاً في قلوب المحبّين.

كلُّ الذي دون الفِراقِ قليل

هو ذا كان صوت الإمام عليٍّ عليه السلام، يبوح بأعظم مصيبةٍ بعد رسول الله صلى الله عليه وآله؛ فِراق زوجته ورفيقة دربه، بضعةِ رسول الله، السيدة فاطمة الزهراء. إنه يُذكّرنا بحقيقةٍ قاسية:

"لكل اجتماعٍ من خليلين فرقة"

فما من لقاءٍ إلا وتلوح في أفقه غيمةُ فِراق. هذه هي سُنّة الحياة الدنيا. ولكن الفرقة هنا ليست ككلِّ فِراق، والافتقاد ليس كأيّ افتقاد؛ إنه افتقاد "فاطمة بعد أحمد". إنها ليست مجرد زوجة تفارق زوجاً، بل هي ابنة النبي الذي اختاره الله لحمل آخر الرسالات، تُفارق زوجاً هو باب مدينة علم أبيها. إنها القطعة من قلب رسول الله، فمن ذا الذي يملأ ذلك الفراغ الهائل الذي تركه رحيلها؟ ومن ذا الذي يُعوّض عن تلك الروح الطاهرة التي كانت تُذكّر الجميع برسول الله: في مشيتها، وكلامها، وحتى في ابتسامتها؟

وها هو الإمام يضع الميزان للحياة كلها:

كلُّ ما عدا الفِراق من منغصات الدنيا صغير.

كلُّ ألم، كلُّ هم، كلُّ تعب، كلُّ شوق، يمكن احتماله ما دام الأمل في اللقاء قائماً.

لكن عندما يصبح الفِراق هو الحقيقة الوحيدة،عندما تُغلق أبواب اللقاء في هذه الدنيا،

يصبح كل شيءٍ آخر لا وزن له.

وهذا هو الفِراق الذي لا يُعوض، والحزن الذي لا يُحتمل، والفقد الذي يغير معنى الحياة نفسها.

إنها الحقيقة التي توقظ القلب من غفلته، إنها التذكرة الموجعة بأن الدنيا دارُ زوال، وأن كل عزيزٍ سيفارق، وأن كل حبيبٍ سيرحل، لا يبقى إلا وجه الله تعالى.

فلقد كان وجود فاطمة في حياة الإمام عليٍّ عليه السلام هو أعظمَ نعيمِ الدنيا الذي جُبِر به مصاب فِراق أبيها. فلما رحلت، ذهبت بذلك الجُبران، وتركت القلب يتذكّر أن النعيم الحقيقي، والخليل الذي لا يُفارق، هو في جوار الرحمن.

فيا من تمرُّ على قلبك سحابةُ فِراق،

يا من تئنّ من ألمِ فقدانِ عزيز،

تأملْ في من فقد القمرين: النبي محمداً، وفاطمةَ الزهراء،

تأمل في هذه الكلمات التي تنبع من أعماق روحٍ مجروحة،

لتُدرك أن فِراق الأحبة جزءٌ من مسيرة الإيمان.

إنه الامتحان الذي يُذكّرنا بأننا في دارِ ابتلاء،

وأن دار القرار، واللقاء الذي لا فِراق بعده، هو هناك؛

في جنةٍ عرضها السماوات والأرض.

فلقد رحل جسدُ فاطمة الزهراء، لكن دروسَها باقية، دروسُ الوفاء، والصبر، والإيمان الراسخ بأن الفِراق ليس نهاية المطاف، بل هو محطةٌ مؤلمةٌ في رحلةٍ طويلة، ينتهي فيها إلى رحمة الله ورضوانه، حيث لا فِراق، ولا حزن.

فالسلام عليكِ يا بضعةَ رسول الله، سلامٌ يخرج من أعماقِ قلب مؤمنةٍ تشتاق إلى طُهرك، وإلى ذلك النور الذي جعلكِ سيدة نساء العالمين. سلامٌ عليكِ في الليلِ الذي شهد نعشكِ المقدس، وفي الأرضِ التي ضمّت جسدكِ الطاهر.

سلامٌ عليكِ أيها الصبرُ الجميل على فِراقِ أبيك، وأيتها الحزنُ الذي اختبأ في جنح الظلام.

سلامٌ على تلك الروح التي فارقتِ الدنيا وهي تحمل في قلبها حباً لله ولرسوله، ووفاءً لا ينقطع. لقد علمتِنا يا سيدتي أن الفِراق ألمٌ، ولكن الإيمان باللقاء عند الله هو البَلسَم.

فاللهم صلِّ على فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها، وألحقنا بهم في مستقرِّ رحمتك، حيث لا فِراق ولا حزن، في جنةِ الخُلد التي وعدتَ عبادك الصالحين.

الهوامش:

(1) منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل، الشيخ عباس القمي، ج1، ص270

(2) المصدر نفسه، ص271

فاطمة الزهراء
الامام علي
الموت
الحزن
التاريخ
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    السبت 03 تشرين الاول 2026/
    السيدة الزهراء.. نورٌ من الملكوت وصوتٌ للحق

    السيدة الزهراء.. نورٌ من الملكوت وصوتٌ للحق

    الأثنين 21 ايلول 2026/
    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    الخميس 17 ايلول 2026/
    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    الأحد 13 ايلول 2026/
    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    الثلاثاء 08 ايلول 2026/
    حسن الخلق في ميزان القيامة

    حسن الخلق في ميزان القيامة

    الخميس 03 ايلول 2026/

    آخر الاضافات

    عمليات التجميل: هل يتغيّر الرضا بتغيّر الملامح؟

    كلمات تبني الطفل.. حين يصبح الحب مسموعًا

    الكتابة ليست مجرد هواية.. كيف تعيد تشكيل الدماغ وتقوي المرونة النفسية؟

    أثر العدوان اللفظي في تربية الأطفال

    ثمانية تجعلك تسعى للتقرب من أصدقاء أبنائك ومصادقتهم

    خيوط جديدة لفهم التصلب المتعدد.. فيروس كامن والتهاب مزمن في دائرة الاشتباه

    ما الذي تمنحه الألعاب للكبار؟

    التخطيط الناجح.. أربعة أعمدة تصنع الفرق

    آخر القراءات

    دراسة جديدة: مكملات أوميغا 3 لا تُظهر فاعلية في تحسين الذاكرة أو الوقاية من الخرف

    النشر : الثلاثاء 30 حزيران 2026
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    في نهاية 2023ما هي العقبات التي تواجه المرأة؟

    النشر : السبت 25 تشرين الثاني 2023
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    العدس بأنواعه المختلفة.. لحم الفقراء

    النشر : الأثنين 06 نيسان 2020
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    نبي الكوفة

    النشر : السبت 15 حزيران 2024
    اخر قراءة : منذ 55 دقيقة

    حملة تزوجني بدون مهر.. تتصدر مواقع التواصل والصحف

    النشر : السبت 04 ايلول 2021
    اخر قراءة : منذ 55 دقيقة

    الشباب بين الآلام والآمال...!

    النشر : الأثنين 01 آيار 2017
    اخر قراءة : منذ 55 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    الأجهزة المحمولة تهدد بشرة الأطفال بـمتلازمة الجلد المحمص

    • 310 مشاهدات

    التربية الإسلامية للطفل.. من الرعاية المبكرة إلى بناء الشخصية

    • 309 مشاهدات

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (١)

    • 302 مشاهدات

    فيتامين "F".. التسمية القديمة لأحماض دهنية أساسية تحمي القلب والدماغ والبشرة

    • 298 مشاهدات

    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    • 298 مشاهدات

    التمايز الذاتي: كيف نحمي أنفسنا من الاستنزاف العاطفي؟

    • 292 مشاهدات

    لماذا تملّ القلوب؟ قراءة نفسية وتربوية في حكمة علوية

    • 762 مشاهدات

    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر

    • 622 مشاهدات

    الاستعداد النفسي للولادة.. حين تكون الطمأنينة نصف الطريق إلى الأمومة

    • 525 مشاهدات

    سننظر: منهج البحث عن الحقيقة

    • 516 مشاهدات

    أصداء : حين يرمم الأثرُ انكسارَ السند

    • 489 مشاهدات

    الإمام الحسن العسكري… دروسٌ في صناعة المنتظر

    • 487 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    عمليات التجميل: هل يتغيّر الرضا بتغيّر الملامح؟
    • منذ 13 ساعة
    كلمات تبني الطفل.. حين يصبح الحب مسموعًا
    • منذ 13 ساعة
    الكتابة ليست مجرد هواية.. كيف تعيد تشكيل الدماغ وتقوي المرونة النفسية؟
    • منذ 14 ساعة
    أثر العدوان اللفظي في تربية الأطفال
    • الأثنين 05 تشرين الاول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة