في حياتنا اليومية، نواجه آراءً مختلفة قد تُعجبنا أحيانًا، وقد تُثير استغرابنا أو حتى انزعاجنا في أحيان أخرى. فالبشر، بحكم تنوع تجاربهم وثقافاتهم وخلفياتهم، يحملون وجهات نظر متعددة حول القضايا نفسها. هنا يطرح السؤال نفسه بقوة: هل نتقبل الرأي الآخر… أم نرفضه؟
الواقع أن طريقة تعاملنا مع اختلاف الآراء تعكس مستوى نضجنا الفكري والإنساني، بل وتشير إلى قدرتنا على الحوار والتعايش. فالرأي الآخر ليس تهديدًا كما يظن البعض، بل هو مساحة جديدة للتفكير، ومصدر لفهمٍ أوسع، وقد يكون في بعض الأحيان المرآة التي تكشف لنا أخطاءً لم نكن نراها.
لكن لماذا يصعب على الكثيرين تقبّل الرأي المخالف؟
غالبًا يعود ذلك إلى شعور دفين بالرغبة في حماية قناعاتنا من الاهتزاز، وكأن الاختلاف يشكّل خطرًا مباشرًا على قيمنا وهويتنا. كما أنّ البعض يربط بين الرفض والهيبة أو القوة، فيظن أنّ الإصرار على الرأي دليل حزم، بينما في الحقيقة قد يكون مجرّد خوف من الخوض في مساحة نقاش لا يجيدها.
تقبّل الرأي الآخر لا يعني أبدًا التنازل عن مبادئنا أو تغيير مواقفنا، بل يعني منح أنفسنا فرصة لمعرفة الحجج المقابلة، ومراجعة أفكارنا بوعي. هذا القبول هو فعل احترام، وليس علامة ضعف. وهو يفتح الباب لحوار ثريّ ومتوازن، يكون فيه تبادل الأفكار رافدًا للفهم لا ساحة للصراع.
وعندما نتأمل تاريخ الإنسانية، نجد أن التقدم لم يتحقق إلا حين اصطدمت الآراء وتلاقحت الأفكار. فالاختلاف كان دائمًا شرارة الاكتشاف والإبداع. كل فكرة عظيمة وُلدت من رحم نقاش، وربما من رفض عنيف لفكرة أخرى. ومع ذلك، كان الحوار، لا الصدام، هو الطريق الذي عبَر منه الجميع نحو الحقيقة.
في المقابل، رفض الرأي الآخر بشكل مطلق يخلق دائرة مغلقة لا تسمح بالنمو. الإنسان الذي لا يستمع إلا لصدى صوته يفقد القدرة على التفاعل الحقيقي مع العالم. وقد يتحول مع الوقت إلى شخص لا يتقبل النقد، ولا يرى أمامه سوى عالم ضيق محكوم بمعتقداته وحده. وهذا النوع من الرفض يولّد التعصب والحدة والانقسام، سواء على مستوى الأسرة أو المجتمع أو الحياة العامة.
لكن من المهم التمييز بين تقبّل وجود الرأي الآخر وبين قبول مضمونه. فليس المطلوب أن نتبنى كل فكرة نسمعها، ولكن المطلوب أن نحترم حق الآخرين في طرحها، وأن نصغي إليها بعقلٍ مفتوح قبل الحكم عليها. عندها فقط يصبح الحوار جسرًا للتفاهم، وليس معركة لإثبات الذات.
في النهاية، يبقى السؤال المطروح: ماذا يكسب الإنسان حين يتقبّل الرأي الآخر؟
يكسب اتساع الأفق، ونضج التجربة، وقدرة أكبر على رؤية الأمور من زوايا متعددة. ويكسب احترام الآخرين وثقتهم. والأهم أنه يكسب نفسه؛ لأنه يثبت أنه قادر على التفكير بحرية لا بخوف.
أما رفض الرأي الآخر دون نقاش، فغالبًا لا يكسب سوى عزلة فكرية، وصورة جامدة لا تليق بعقلٍ وُجد ليكون فضاءً رحبًا.
إنّ تقبّل الرأي الآخر ليس خيارًا لطيفًا فحسب، بل ضرورة لبناء مجتمع واعٍ، راقٍ، قادر على التطور. فالاختلاف سنة الحياة، والحوار هو الطريق الوحيد لنجاحها.








اضافةتعليق
التعليقات