• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

للكلمةِ مضمونٌ في حديثِ أميرِ المؤمنين

هدى المفرجي / الخميس 18 ايلول 2025 / اسلاميات / 1130
شارك الموضوع :

من خلال هذا الحديث البليغ، علينا إدراك معنى الكلمة، والسعي لأن نكون أوفياء لأمانتها

كلماتٌ ارتمت في أحضانِ مسامعي، وهي تهدم شخصًا يعزُّ عليّ، فما كانت ردّةُ فعله إلا أن أنزل رأسه خجلًا، وامتلأت عيناه بالدموع.

حينها تساءلت: كيف لكلمةٍ بسيطةٍ أن تخلق جرحًا غائرًا في أعماقِ الإنسان؟ ثم تأتي الذاكرة بصوتٍ هادئ يذكّرني: وماذا عن جُرحك أنت، حين حبستَ الألم حتى تورّمت حنجرتك، سجنًا لصرخةٍ لم تخرج؟

أهو الألم الذي تجمّد في الداخل، أم الكلمات التي ارتدّت كطلقاتٍ صامتةٍ تمزّق الروح من داخلها؟

شيءٌ ما حينها قتلني في ذلك اليوم؛ لم يكن سُوء الجرح هو الأسوأ، بل ذلك التناقض القاسي بين عُمق الجرح وسخافة الاعتذار: "آسف، إن ما في قلبي على لساني"، ممزوجةٍ بضحكةٍ باهتة.

فيا لها من كلمة! أرذل من أن تُوصَف بأنها اعتذار، بل هي هروبٌ واضح، واتهامٌ صارخ للسانٍ يُزعَم أنه خرج عن السيطرة.

وهذا المشهد الشخصي ليس بمعزلٍ عن عالمنا، بل هو جزءٌ من سماءِ خطابِنا العامِّ المتبلّد، منطلقًا من بيوتنا، وعدم الانتباه للكلام حتى يصل إلى المجتمع الخارجي، سواءً واقعيًا أو في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تتحول الكلمات إلى قنابلَ موقوتةٍ يرميها القاذفون من خلفِ شاشاتهم، ليأتوك بعدها بحُججٍ هشّة: "لم أقصد"، أو "السياق خانني"، متناسين أن للكلمة مسؤوليةً قبل أن تكون تعبيرًا، وأمانةً قبل أن تكون رأيًا.

للكلام صوارمُ تقطع، وأزهارٌ تشفي

تقف كلماتُ الإمام عليٍّ (عليه السلام) وقفةَ حزمٍ أمام مثل هذه الأفعال، فيقول:

"لِسَانُ الْعَاقِلِ وَرَاءَ قَلْبِهِ، وَقَلْبُ الْأَحْمَقِ وَرَاءَ لِسَانِهِ".

وهنا يكشف عليه السلام الحقيقة التي يحاول الجارح إخفاءها: فلا تكن مخدوعًا، فما قذفه لسانُه لم يخرج من فراغ، بل من قلبه.

ومن خلال كلماتِ سيدِ البلغاء ندرك أن "لسان العاقل خلف قلبه" تعني أنه يُروِّضه ويُصفِّيه، ويتأكد من طهارة ما يخرج منه، فلا ينطق إلا بما يصلح، ولا يقذف إلا بما يُنمِّي.

أمّا الأحمق، فقلبه تابعٌ للسانه العابث، يُلقي بالكلمات كالحصى، لا يُبالي بما تُحدِثه من دمٍ أو ألم، غير مُدركٍ أن لسانه ليس حيوانًا طليقًا بلا صاحب كما يزعم، بل هو الترجمان الأمين لما يخطر في قلبه.

فالكلمات التي تُقال في لحظة غضبٍ أو استهتار، ليست سوى حجارةٍ كانت ملقاة في قاع القلب، فجاءت اللحظة المناسبة ليقذف بها لسانه نحوك.

والاعتذار بهذه الصورة العقيمة هو إقرارٌ صامت بأن هذه الحجارة جزءٌ من بناء نفسه، وأن قلبه وعاءٌ لكل ما هو ثقيلٌ وخطير، لذلك لا يغرنّك اعتذارٌ يجعل من لسانِ المقابل شيطانًا مستقلًّا عن إرادته.

فالعاقل مالكٌ لزمام قلبه ولسانه، والجارح الجاهل لسانُه هو الحاكمُ المطلق لقلبه الفارغ.

وكما أن للقولِ فلسفةً، فإن للاستماع آدابًا وحكمة، فحين يتوجّه إليك أحدُهم باعتذارٍ صادق، كُن متسامحًا لتقبّله، وحكيمًا لتميّز الصادق من غيره.

ولكن لا تسمح لأحد أن يجعل من لسانه سيفًا يصول ويجول، ثم يطلب منك أن تمسح الدماءَ بكلمة "آسف" عابرة.

فالصمت عن الجاهل أحيانًا حكمة، ولكن وضع حدودٍ واضحةٍ للكلام المسيء هو الحكمةُ كلها.

ومن هنا تأتي الترجمة العملية لحكمة الإمام عليٍّ عليه السلام، فهي ليست مجرد كلماتٍ نرددها، بل خارطةُ طريقٍ لترويض النفس.

لذلك عزيزي:

توقف لحظة، وامسك بزمام ذلك اللسان "الشقي" قبل أن يسبقك إلى الهاوية؛ فليست القوة أن تتكلم، بل القوة أن تملك نفسك عند الغضب.

اسأل نفسك: لماذا أريد قول هذا؟

وفي هذه اللحظة من التأمل تكمن لحظة اكتشاف الذات؛ فيها تكتشف تلك "الحجارة" في قاع القلب قبل أن تقذفها وتجرح بها من حولك.

تأكد من ضرورة الكلمة وصحتها ولطفها، فليس كل ما يُعرَف يُقال، وليس كل ما يُقال يُحسَن قوله.

فقم بتصفية ما في قلبك قبل أن يصل إلى لسانك، لأن الكلمة الطيبة صدقة، والكلمة الخبيثة جريمة.

ومن خلال هذا الحديث البليغ، علينا إدراك معنى الكلمة، والسعي لأن نكون أوفياء لأمانتها، ونعيد هندسة علاقتنا مع أقوى أسلحتنا وأخطرها، ألا وهي ألسنتُنا.

فكما أن الكلمة يمكن أن تكون قبرًا، يمكنها أن تكون حديقةً غنّاء. فلنقتدِ بسيد البلغاء (عليه السلام)، فلا نضع قلوبنا في أيدي ألسنتنا العابثة، بل نروّض ألسنتنا لتُترجم فقط عن طهارة قلوبنا وصفاء نفوسنا.

ولْيكن لساننا دائمًا وراء قلوبنا، ننطق بما يريده القلبُ الطيب، لا بما تهواه الأنانية وتدفع إليه الغفلة. ففي النهاية، ليست كلماتُنا سوى مرآةٍ لأرواحنا، فاجعل مرآتك نقيّة، تنعكس عليها أزهارٌ تشفي، لا صوارمُ تقطع.

الامام علي
الوعي
القيم
الكلمة
المجتمع
الألم
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    السبت 03 تشرين الاول 2026/
    السيدة الزهراء.. نورٌ من الملكوت وصوتٌ للحق

    السيدة الزهراء.. نورٌ من الملكوت وصوتٌ للحق

    الأثنين 21 ايلول 2026/
    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية تواصل نشاطات نادي ريحانة للفتيات

    الخميس 17 ايلول 2026/
    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    رحلة الحنين للماضي: حين تُعيدنا الخوارزميات إلى دفئ الأمس

    الأحد 13 ايلول 2026/
    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    بين ثورة الشاشة ودفء الورق

    الثلاثاء 08 ايلول 2026/
    حسن الخلق في ميزان القيامة

    حسن الخلق في ميزان القيامة

    الخميس 03 ايلول 2026/

    آخر الاضافات

    عمليات التجميل: هل يتغيّر الرضا بتغيّر الملامح؟

    كلمات تبني الطفل.. حين يصبح الحب مسموعًا

    الكتابة ليست مجرد هواية.. كيف تعيد تشكيل الدماغ وتقوي المرونة النفسية؟

    أثر العدوان اللفظي في تربية الأطفال

    ثمانية تجعلك تسعى للتقرب من أصدقاء أبنائك ومصادقتهم

    خيوط جديدة لفهم التصلب المتعدد.. فيروس كامن والتهاب مزمن في دائرة الاشتباه

    ما الذي تمنحه الألعاب للكبار؟

    التخطيط الناجح.. أربعة أعمدة تصنع الفرق

    آخر القراءات

    اكسير الحياة وكيمياءُ الروح

    النشر : السبت 15 شباط 2025
    اخر قراءة : منذ 39 دقيقة

    غانم المفتاح: المعجزة

    النشر : الأربعاء 07 كانون الأول 2022
    اخر قراءة : منذ 39 دقيقة

    كتب تَبْنِي مجتمعات

    النشر : الأربعاء 12 شباط 2025
    اخر قراءة : منذ 39 دقيقة

    انخفاض عدد ساعات النوم يرفع من أخطار أمراض القلب

    النشر : الأحد 01 حزيران 2025
    اخر قراءة : منذ 39 دقيقة

    هل يمكن أن يكون الخجل شيئًا خطيرا على الأطفال؟!

    النشر : الخميس 04 آيار 2023
    اخر قراءة : منذ 39 دقيقة

    ماهو الرابط بين التدخين وكورونا؟

    النشر : الأحد 22 تشرين الثاني 2020
    اخر قراءة : منذ 39 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    الأجهزة المحمولة تهدد بشرة الأطفال بـمتلازمة الجلد المحمص

    • 312 مشاهدات

    التربية الإسلامية للطفل.. من الرعاية المبكرة إلى بناء الشخصية

    • 310 مشاهدات

    الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.. وَحْدَةُ الْعُنْوَانِ وَتَعَدُّدُ الْجَزَاءِ (١)

    • 303 مشاهدات

    فيتامين "F".. التسمية القديمة لأحماض دهنية أساسية تحمي القلب والدماغ والبشرة

    • 300 مشاهدات

    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    • 299 مشاهدات

    التمايز الذاتي: كيف نحمي أنفسنا من الاستنزاف العاطفي؟

    • 293 مشاهدات

    لماذا تملّ القلوب؟ قراءة نفسية وتربوية في حكمة علوية

    • 763 مشاهدات

    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر

    • 622 مشاهدات

    الاستعداد النفسي للولادة.. حين تكون الطمأنينة نصف الطريق إلى الأمومة

    • 525 مشاهدات

    سننظر: منهج البحث عن الحقيقة

    • 517 مشاهدات

    أصداء : حين يرمم الأثرُ انكسارَ السند

    • 490 مشاهدات

    الإمام الحسن العسكري… دروسٌ في صناعة المنتظر

    • 488 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    عمليات التجميل: هل يتغيّر الرضا بتغيّر الملامح؟
    • منذ 14 ساعة
    كلمات تبني الطفل.. حين يصبح الحب مسموعًا
    • منذ 14 ساعة
    الكتابة ليست مجرد هواية.. كيف تعيد تشكيل الدماغ وتقوي المرونة النفسية؟
    • منذ 14 ساعة
    أثر العدوان اللفظي في تربية الأطفال
    • الأثنين 05 تشرين الاول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة