• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

حين يكون الصمتُ خُلُقًا… لا ضعفًا

فاطمة حسن / الأربعاء 22 نيسان 2026 / تربية / 697
شارك الموضوع :

جوهر المسألة: ليس كل ما نشعر به يجب أن نقوله، وليس كل ما يُقال لنا يستحق ردًا

في زمنٍ تتسارع فيه ردود الأفعال أكثر من التفكير، وتُقاس فيه قوة الإنسان بحدة لسانه لا بعمق وعيه، أصبح من السهل أن ننزلق إلى دائرة “التعامل بالمثل”، تلك الدائرة التي تبرر لنا أن نرد الإساءة بالإساءة، وأن نُخرج أسوأ ما فينا بحجة أن الآخر هو من بدأ، كثيرًا ما نسمع العبارة الشائعة: “هم يستفزونك ليُظهروا حقيقتك”، فنقع في الفخ دون أن ندرك أن ما يظهر ليس حقيقتنا، بل لحظة ضعفنا.

في إحدى المحاضرات التي تناولت أساليب التعامل وضبط السلوك، طُرحت فكرة التعامل بالمثل كاستراتيجية شائعة، لكنها في الواقع سيفٌ ذو حدّين. فقد تبدو منصفة في ظاهرها، لكنها تُفقد الإنسان توازنه الداخلي، وتُبعده عن قيمه التي تربّى عليها. إذ كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على نقائه إذا سمح للآخرين أن يحددوا له سلوكه؟

إن ما نعيشه اليوم من تحولات اجتماعية وثقافية جعل العلاقات الإنسانية أكثر هشاشة، حيث طغت مظاهر القوة الزائفة، وأصبحت الجرأة في الإساءة تُفسَّر على أنها شجاعة، بينما يُنظر إلى الحِلم وضبط النفس على أنهما ضعف. هذه المفاهيم المغلوطة ساهمت في انتشار “ثقافة الغاب”، حيث يسود من يرفع صوته أكثر، لا من يملك حجةً أقوى. وغاب العقل في كثير من الأحيان، ليحل محله الانفعال، مدفوعًا بجهلٍ متراكم وسلوكٍ جمعي ينساق دون وعي.

لكن حين نعود إلى القيم الأصيلة التي نشأنا عليها، نجد أن هناك طريقًا آخر، طريقًا لا يعتمد على رد الإساءة بمثلها، بل على الارتقاء فوقها. وقد تجلّى هذا المعنى في سِيَر أهل البيت (عليهم السلام)، الذين قدّموا نموذجًا فريدًا في التعامل مع الإساءات. فقد رُوي أن أحدهم تعمّد استفزاز الإمام، طمعًا في أن يخرج منه ما يُدينه أمام الناس، إلا أن جواب الإمام كان درسًا خالدًا في ضبط النفس: “لو خرجت منك عشر كلمات، لم تسمع مني كلمة”. لم يكن ذلك عجزًا عن الرد، بل قدرةٌ على التحكم، وقوةٌ في الامتناع.

هذا النهج لا يُطلب من الإنسان أن يكون مثاليًا بلا مشاعر، بل أن يكون واعيًا بمشاعره، قادرًا على توجيهها لا أن يكون أسيرًا لها. فكم من مرةٍ اندفعنا في الرد، ثم جلسنا مع أنفسنا نلومها ونقول: “هذا ليس أنا”. تلك اللحظة من التأنيب ليست ضعفًا، بل دليل على أن في داخلنا بوصلةً أخلاقية لا تزال تعمل، وتُحاول إعادتنا إلى المسار الصحيح.

وهنا تأتي أهمية التذكير الدائم بما ورد في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة:

“إنَّ لسانَ المؤمنِ من وراء قلبِهِ، وإنَّ قلبَ المنافقِ من وراء لسانِهِ؛ لأنَّ المؤمنَ إذا أراد أن يتكلم بكلامٍ تدبَّره في نفسه، فإن كان خيرًا أبداه، وإن كان شرًّا واراه…”.

هذا القول يلخّص جوهر المسألة: ليس كل ما نشعر به يجب أن نقوله، وليس كل ما يُقال لنا يستحق ردًا.

إن ضبط النفس في لحظات الاستفزاز هو شكلٌ من أشكال القوة التي لا تُرى، لكنها تُبنى مع الوقت. هو اختيارٌ واعٍ بأن لا نسمح للآخر أن يُعيد تشكيلنا وفق انفعالاته. فالعلاقات الحقيقية لا تُبنى على ردود الأفعال، بل على الثبات في القيم، حتى عندما يتخلى الآخر عنها.

ولعل أهم ما يمكن أن نمارسه في هذا السياق هو المصارحة الصادقة مع النفس؛ أن نعترف بأخطائنا حين نخطئ، وأن نعتذر لأنفسنا قبل أن نعتذر للآخرين، وأن نستغفر حين ننزلق، لا لنجلد ذواتنا، بل لنُعيد بناءها. فالتغيير لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر وعيٍ مستمر، ومحاولات متكررة للتمسك بما نؤمن به.

في النهاية، ليس المطلوب أن نكون بلا رد، بل أن نختار ردودنا بعناية. أن نُدرك أن الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام، وأن الحِلم ليس ضعفًا، بل سيطرة. أن نحافظ على إنسانيتنا في عالمٍ يحاول أن يجرّنا إلى عكس ذلك. لأن القيمة الحقيقية للإنسان لا تظهر في لحظات الهدوء، بل في لحظات الاستفزاز، حين يختار أن يكون أفضل مما يُراد له أن يكون.

الاخلاق
اهل البيت
الانسان
المجتمع
السلوك
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    من النداء إلى النور… سُلَّم الروح في دعاء الإمام زين العابدين

    من النداء إلى النور… سُلَّم الروح في دعاء الإمام زين العابدين

    الأثنين 04 آيار 2026/
    السيدة فاطمة الزهراء… العالِمة التي غُيّبت مروياتها

    السيدة فاطمة الزهراء… العالِمة التي غُيّبت مروياتها

    الأربعاء 26 تشرين الثاني 2025/
    الإمام الصادق.. بين المحنة وصناعة المستقبل

    الإمام الصادق.. بين المحنة وصناعة المستقبل

    الأحد 14 ايلول 2025/
    نور المحبة وميزان القلوب

    نور المحبة وميزان القلوب

    الثلاثاء 02 ايلول 2025/
    من عبق الطريق إلى كربلاء

    من عبق الطريق إلى كربلاء

    الأحد 10 آب 2025/
    الإمام الرضا: حارس العقيدة ومجدد الوعي في وجه الانحراف الفكري

    الإمام الرضا: حارس العقيدة ومجدد الوعي في وجه الانحراف الفكري

    الأحد 11 آيار 2025/

    آخر الاضافات

    من العدالة إلى النرجسية: التشريح النفسي للنسوية الحديثة

    دائرة الخوف المغلقة.. كيف تشترك أربعة مكونات حيوية ونفسية في صناعة القلق؟

    دليل اللقاحات الموسمية لمواجهة الفيروسات التنفسية: التوصيات والفئات المستهدفة

    تصوير الروتين اليومي: وهم النظام المطلق

    التضخم والصحة النفسية للشباب.. حين يتحول غلاء المعيشة إلى ضغط نفسي مزمن

    اليام البنفسجي: كنز غذائي يُسهم في تنظيم مستويات سكر الدم

    تحت شعار نقرأ لنرتقي.. جمعية المودة تقيم أمسية ثقافية بالذكرى العاشرة لتأسيس نادي أصدقاء الكتاب

    ظاهرة الكذب لدى الأطفال: جذورها النفسية وطرق العلاج

    آخر القراءات

    تمتعي بالرشاقة... بالابتعاد عن العشاء الدسم

    النشر : الثلاثاء 09 حزيران 2015
    اخر قراءة : منذ 12 ثانية

    وقفة تأمل..

    النشر : الجمعة 02 كانون الأول 2016
    اخر قراءة : منذ 16 ثانية

    أصنام خفية في معابد القلوب

    النشر : السبت 03 آيار 2025
    اخر قراءة : منذ 16 ثانية

    ثورة الانفوميديا

    النشر : الأربعاء 10 كانون الثاني 2018
    اخر قراءة : منذ 16 ثانية

    لعبة مريم.. الوجه الاخر للحوت الازرق

    النشر : الخميس 24 آب 2017
    اخر قراءة : منذ 17 ثانية

    التمايز الذاتي: كيف نحمي أنفسنا من الاستنزاف العاطفي؟

    النشر : السبت 03 تشرين الاول 2026
    اخر قراءة : منذ 27 ثانية

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1156 مشاهدات

    تحت شعار نقرأ لنرتقي.. جمعية المودة تقيم أمسية ثقافية بالذكرى العاشرة لتأسيس نادي أصدقاء الكتاب

    • 377 مشاهدات

    التخطّي... حين نتعلّم أن نترك ما لا نستطيع تغييره

    • 344 مشاهدات

    خيوط جديدة لفهم التصلب المتعدد.. فيروس كامن والتهاب مزمن في دائرة الاشتباه

    • 335 مشاهدات

    الذكاء الاصطناعي يتنبأ بفائزي نوبل 2026.. اتفاق في الطب والأدب وخلاف حول السلام

    • 331 مشاهدات

    عمليات التجميل: هل يتغيّر الرضا بتغيّر الملامح؟

    • 326 مشاهدات

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1156 مشاهدات

    لماذا تملّ القلوب؟ قراءة نفسية وتربوية في حكمة علوية

    • 793 مشاهدات

    أصداء : حين يرمم الأثرُ انكسارَ السند

    • 564 مشاهدات

    الاستعداد النفسي للولادة.. حين تكون الطمأنينة نصف الطريق إلى الأمومة

    • 553 مشاهدات

    سننظر: منهج البحث عن الحقيقة

    • 538 مشاهدات

    الإمام الحسن العسكري… دروسٌ في صناعة المنتظر

    • 513 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    من العدالة إلى النرجسية: التشريح النفسي للنسوية الحديثة
    • منذ 10 ساعة
    دائرة الخوف المغلقة.. كيف تشترك أربعة مكونات حيوية ونفسية في صناعة القلق؟
    • منذ 10 ساعة
    دليل اللقاحات الموسمية لمواجهة الفيروسات التنفسية: التوصيات والفئات المستهدفة
    • منذ 10 ساعة
    تصوير الروتين اليومي: وهم النظام المطلق
    • السبت 10 تشرين الاول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة