• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

حين يكون الصمتُ خُلُقًا… لا ضعفًا

فاطمة حسن / الأربعاء 22 نيسان 2026 / تربية / 602
شارك الموضوع :

جوهر المسألة: ليس كل ما نشعر به يجب أن نقوله، وليس كل ما يُقال لنا يستحق ردًا

في زمنٍ تتسارع فيه ردود الأفعال أكثر من التفكير، وتُقاس فيه قوة الإنسان بحدة لسانه لا بعمق وعيه، أصبح من السهل أن ننزلق إلى دائرة “التعامل بالمثل”، تلك الدائرة التي تبرر لنا أن نرد الإساءة بالإساءة، وأن نُخرج أسوأ ما فينا بحجة أن الآخر هو من بدأ، كثيرًا ما نسمع العبارة الشائعة: “هم يستفزونك ليُظهروا حقيقتك”، فنقع في الفخ دون أن ندرك أن ما يظهر ليس حقيقتنا، بل لحظة ضعفنا.

في إحدى المحاضرات التي تناولت أساليب التعامل وضبط السلوك، طُرحت فكرة التعامل بالمثل كاستراتيجية شائعة، لكنها في الواقع سيفٌ ذو حدّين. فقد تبدو منصفة في ظاهرها، لكنها تُفقد الإنسان توازنه الداخلي، وتُبعده عن قيمه التي تربّى عليها. إذ كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على نقائه إذا سمح للآخرين أن يحددوا له سلوكه؟

إن ما نعيشه اليوم من تحولات اجتماعية وثقافية جعل العلاقات الإنسانية أكثر هشاشة، حيث طغت مظاهر القوة الزائفة، وأصبحت الجرأة في الإساءة تُفسَّر على أنها شجاعة، بينما يُنظر إلى الحِلم وضبط النفس على أنهما ضعف. هذه المفاهيم المغلوطة ساهمت في انتشار “ثقافة الغاب”، حيث يسود من يرفع صوته أكثر، لا من يملك حجةً أقوى. وغاب العقل في كثير من الأحيان، ليحل محله الانفعال، مدفوعًا بجهلٍ متراكم وسلوكٍ جمعي ينساق دون وعي.

لكن حين نعود إلى القيم الأصيلة التي نشأنا عليها، نجد أن هناك طريقًا آخر، طريقًا لا يعتمد على رد الإساءة بمثلها، بل على الارتقاء فوقها. وقد تجلّى هذا المعنى في سِيَر أهل البيت (عليهم السلام)، الذين قدّموا نموذجًا فريدًا في التعامل مع الإساءات. فقد رُوي أن أحدهم تعمّد استفزاز الإمام، طمعًا في أن يخرج منه ما يُدينه أمام الناس، إلا أن جواب الإمام كان درسًا خالدًا في ضبط النفس: “لو خرجت منك عشر كلمات، لم تسمع مني كلمة”. لم يكن ذلك عجزًا عن الرد، بل قدرةٌ على التحكم، وقوةٌ في الامتناع.

هذا النهج لا يُطلب من الإنسان أن يكون مثاليًا بلا مشاعر، بل أن يكون واعيًا بمشاعره، قادرًا على توجيهها لا أن يكون أسيرًا لها. فكم من مرةٍ اندفعنا في الرد، ثم جلسنا مع أنفسنا نلومها ونقول: “هذا ليس أنا”. تلك اللحظة من التأنيب ليست ضعفًا، بل دليل على أن في داخلنا بوصلةً أخلاقية لا تزال تعمل، وتُحاول إعادتنا إلى المسار الصحيح.

وهنا تأتي أهمية التذكير الدائم بما ورد في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة:

“إنَّ لسانَ المؤمنِ من وراء قلبِهِ، وإنَّ قلبَ المنافقِ من وراء لسانِهِ؛ لأنَّ المؤمنَ إذا أراد أن يتكلم بكلامٍ تدبَّره في نفسه، فإن كان خيرًا أبداه، وإن كان شرًّا واراه…”.

هذا القول يلخّص جوهر المسألة: ليس كل ما نشعر به يجب أن نقوله، وليس كل ما يُقال لنا يستحق ردًا.

إن ضبط النفس في لحظات الاستفزاز هو شكلٌ من أشكال القوة التي لا تُرى، لكنها تُبنى مع الوقت. هو اختيارٌ واعٍ بأن لا نسمح للآخر أن يُعيد تشكيلنا وفق انفعالاته. فالعلاقات الحقيقية لا تُبنى على ردود الأفعال، بل على الثبات في القيم، حتى عندما يتخلى الآخر عنها.

ولعل أهم ما يمكن أن نمارسه في هذا السياق هو المصارحة الصادقة مع النفس؛ أن نعترف بأخطائنا حين نخطئ، وأن نعتذر لأنفسنا قبل أن نعتذر للآخرين، وأن نستغفر حين ننزلق، لا لنجلد ذواتنا، بل لنُعيد بناءها. فالتغيير لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر وعيٍ مستمر، ومحاولات متكررة للتمسك بما نؤمن به.

في النهاية، ليس المطلوب أن نكون بلا رد، بل أن نختار ردودنا بعناية. أن نُدرك أن الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام، وأن الحِلم ليس ضعفًا، بل سيطرة. أن نحافظ على إنسانيتنا في عالمٍ يحاول أن يجرّنا إلى عكس ذلك. لأن القيمة الحقيقية للإنسان لا تظهر في لحظات الهدوء، بل في لحظات الاستفزاز، حين يختار أن يكون أفضل مما يُراد له أن يكون.

الاخلاق
اهل البيت
الانسان
المجتمع
السلوك
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    من النداء إلى النور… سُلَّم الروح في دعاء الإمام زين العابدين

    من النداء إلى النور… سُلَّم الروح في دعاء الإمام زين العابدين

    الأثنين 04 آيار 2026/
    السيدة فاطمة الزهراء… العالِمة التي غُيّبت مروياتها

    السيدة فاطمة الزهراء… العالِمة التي غُيّبت مروياتها

    الأربعاء 26 تشرين الثاني 2025/
    الإمام الصادق.. بين المحنة وصناعة المستقبل

    الإمام الصادق.. بين المحنة وصناعة المستقبل

    الأحد 14 ايلول 2025/
    نور المحبة وميزان القلوب

    نور المحبة وميزان القلوب

    الثلاثاء 02 ايلول 2025/
    من عبق الطريق إلى كربلاء

    من عبق الطريق إلى كربلاء

    الأحد 10 آب 2025/
    الإمام الرضا: حارس العقيدة ومجدد الوعي في وجه الانحراف الفكري

    الإمام الرضا: حارس العقيدة ومجدد الوعي في وجه الانحراف الفكري

    الأحد 11 آيار 2025/

    آخر الاضافات

    حِراسَةُ الحَواسّ وصَوْنُ الهَويَّة: قِراءَةٌ في وعيِ الانْفِتاح

    في رحاب اسم الله الهادي

    طرق بسيطة لتخفيف حرقة المعدة في المنزل وتجنب تكرارها

    عمّى الجمال

    التشكيك بالذات… عنفٌ بلا آثار

    عدوى جلدية نادرة تثير القلق في أوروبا.. هل تتوسع رقعة «تعفن المطر»؟

    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر

    بوحٌ بلا وجوه… حينما تصبح المنصات الملاذ الأخير

    آخر القراءات

    في العراق: موت بالمجان تحت إطار الأوضاع

    النشر : الأربعاء 01 آيار 2019
    اخر قراءة : منذ 4 دقائق

    تعرفي على طفلك من رسوماته؟

    النشر : السبت 16 نيسان 2016
    اخر قراءة : منذ 5 دقائق

    رحيقُ التسليم

    النشر : الخميس 21 آيار 2020
    اخر قراءة : منذ 5 دقائق

    ضرورة الحوار والانفتاح بين الأديان: لقاء الفاتيكان بالمرجعية أنموذجا

    النشر : الأحد 07 آذار 2021
    اخر قراءة : منذ 5 دقائق

    مقومات الزواج السعيد

    النشر : الأربعاء 21 آذار 2018
    اخر قراءة : منذ 5 دقائق

    أصحاب الامام الحسين.. أنموذج لصداقة لا يفنى ذكرها

    النشر : الأحد 24 آب 2025
    اخر قراءة : منذ 5 دقائق

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر

    • 508 مشاهدات

    صرير الأسنان عند الأطفال.. متى يستدعي القلق؟

    • 313 مشاهدات

    كيف تخفف التهاب الحلق سريعًا؟ خطوات بسيطة تساعد على الشعور بالراحة

    • 312 مشاهدات

    رائحة العرق المزعجة.. أسبابها وطرق الحد منها بفاعلية

    • 308 مشاهدات

    القضاء والقدر.. أين تبدأ حرية الإنسان؟

    • 303 مشاهدات

    الهيليوم: أكثر من مجرد غاز يجعل صوتك مضحكًا

    • 303 مشاهدات

    حين يصبح التأخر تهمة

    • 1069 مشاهدات

    ميلادان… ومشروع واحد: حين يولد النور مرتين

    • 1039 مشاهدات

    شهادة الإمام الحسن العسكري: فلسفة التضحية والمنهاج المكتمل لشباب الأمة

    • 1028 مشاهدات

    ستنضج فجأة وتتساءل: مَن هذا الذي لا يشبهك!

    • 963 مشاهدات

    فجر الصادق: حين يتكلم النور ويكتمل العقل

    • 722 مشاهدات

    ولادة مَنْ أضاءَ الكونَ نوراً: نبيّ الرحمةِ والإنسانية

    • 632 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    حِراسَةُ الحَواسّ وصَوْنُ الهَويَّة: قِراءَةٌ في وعيِ الانْفِتاح
    • منذ 23 ساعة
    في رحاب اسم الله الهادي
    • منذ 23 ساعة
    طرق بسيطة لتخفيف حرقة المعدة في المنزل وتجنب تكرارها
    • منذ 23 ساعة
    عمّى الجمال
    • الخميس 10 ايلول 2026

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة