• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

حين يكون الصمتُ خُلُقًا… لا ضعفًا

فاطمة حسن / الأربعاء 22 نيسان 2026 / تربية / 769
شارك الموضوع :

جوهر المسألة: ليس كل ما نشعر به يجب أن نقوله، وليس كل ما يُقال لنا يستحق ردًا

في زمنٍ تتسارع فيه ردود الأفعال أكثر من التفكير، وتُقاس فيه قوة الإنسان بحدة لسانه لا بعمق وعيه، أصبح من السهل أن ننزلق إلى دائرة “التعامل بالمثل”، تلك الدائرة التي تبرر لنا أن نرد الإساءة بالإساءة، وأن نُخرج أسوأ ما فينا بحجة أن الآخر هو من بدأ، كثيرًا ما نسمع العبارة الشائعة: “هم يستفزونك ليُظهروا حقيقتك”، فنقع في الفخ دون أن ندرك أن ما يظهر ليس حقيقتنا، بل لحظة ضعفنا.

في إحدى المحاضرات التي تناولت أساليب التعامل وضبط السلوك، طُرحت فكرة التعامل بالمثل كاستراتيجية شائعة، لكنها في الواقع سيفٌ ذو حدّين. فقد تبدو منصفة في ظاهرها، لكنها تُفقد الإنسان توازنه الداخلي، وتُبعده عن قيمه التي تربّى عليها. إذ كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على نقائه إذا سمح للآخرين أن يحددوا له سلوكه؟

إن ما نعيشه اليوم من تحولات اجتماعية وثقافية جعل العلاقات الإنسانية أكثر هشاشة، حيث طغت مظاهر القوة الزائفة، وأصبحت الجرأة في الإساءة تُفسَّر على أنها شجاعة، بينما يُنظر إلى الحِلم وضبط النفس على أنهما ضعف. هذه المفاهيم المغلوطة ساهمت في انتشار “ثقافة الغاب”، حيث يسود من يرفع صوته أكثر، لا من يملك حجةً أقوى. وغاب العقل في كثير من الأحيان، ليحل محله الانفعال، مدفوعًا بجهلٍ متراكم وسلوكٍ جمعي ينساق دون وعي.

لكن حين نعود إلى القيم الأصيلة التي نشأنا عليها، نجد أن هناك طريقًا آخر، طريقًا لا يعتمد على رد الإساءة بمثلها، بل على الارتقاء فوقها. وقد تجلّى هذا المعنى في سِيَر أهل البيت (عليهم السلام)، الذين قدّموا نموذجًا فريدًا في التعامل مع الإساءات. فقد رُوي أن أحدهم تعمّد استفزاز الإمام، طمعًا في أن يخرج منه ما يُدينه أمام الناس، إلا أن جواب الإمام كان درسًا خالدًا في ضبط النفس: “لو خرجت منك عشر كلمات، لم تسمع مني كلمة”. لم يكن ذلك عجزًا عن الرد، بل قدرةٌ على التحكم، وقوةٌ في الامتناع.

هذا النهج لا يُطلب من الإنسان أن يكون مثاليًا بلا مشاعر، بل أن يكون واعيًا بمشاعره، قادرًا على توجيهها لا أن يكون أسيرًا لها. فكم من مرةٍ اندفعنا في الرد، ثم جلسنا مع أنفسنا نلومها ونقول: “هذا ليس أنا”. تلك اللحظة من التأنيب ليست ضعفًا، بل دليل على أن في داخلنا بوصلةً أخلاقية لا تزال تعمل، وتُحاول إعادتنا إلى المسار الصحيح.

وهنا تأتي أهمية التذكير الدائم بما ورد في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة:

“إنَّ لسانَ المؤمنِ من وراء قلبِهِ، وإنَّ قلبَ المنافقِ من وراء لسانِهِ؛ لأنَّ المؤمنَ إذا أراد أن يتكلم بكلامٍ تدبَّره في نفسه، فإن كان خيرًا أبداه، وإن كان شرًّا واراه…”.

هذا القول يلخّص جوهر المسألة: ليس كل ما نشعر به يجب أن نقوله، وليس كل ما يُقال لنا يستحق ردًا.

إن ضبط النفس في لحظات الاستفزاز هو شكلٌ من أشكال القوة التي لا تُرى، لكنها تُبنى مع الوقت. هو اختيارٌ واعٍ بأن لا نسمح للآخر أن يُعيد تشكيلنا وفق انفعالاته. فالعلاقات الحقيقية لا تُبنى على ردود الأفعال، بل على الثبات في القيم، حتى عندما يتخلى الآخر عنها.

ولعل أهم ما يمكن أن نمارسه في هذا السياق هو المصارحة الصادقة مع النفس؛ أن نعترف بأخطائنا حين نخطئ، وأن نعتذر لأنفسنا قبل أن نعتذر للآخرين، وأن نستغفر حين ننزلق، لا لنجلد ذواتنا، بل لنُعيد بناءها. فالتغيير لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر وعيٍ مستمر، ومحاولات متكررة للتمسك بما نؤمن به.

في النهاية، ليس المطلوب أن نكون بلا رد، بل أن نختار ردودنا بعناية. أن نُدرك أن الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام، وأن الحِلم ليس ضعفًا، بل سيطرة. أن نحافظ على إنسانيتنا في عالمٍ يحاول أن يجرّنا إلى عكس ذلك. لأن القيمة الحقيقية للإنسان لا تظهر في لحظات الهدوء، بل في لحظات الاستفزاز، حين يختار أن يكون أفضل مما يُراد له أن يكون.

الاخلاق
اهل البيت
الانسان
المجتمع
السلوك
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    من النداء إلى النور… سُلَّم الروح في دعاء الإمام زين العابدين

    من النداء إلى النور… سُلَّم الروح في دعاء الإمام زين العابدين

    الأثنين 04 آيار 2026/
    السيدة فاطمة الزهراء… العالِمة التي غُيّبت مروياتها

    السيدة فاطمة الزهراء… العالِمة التي غُيّبت مروياتها

    الأربعاء 26 تشرين الثاني 2025/
    الإمام الصادق.. بين المحنة وصناعة المستقبل

    الإمام الصادق.. بين المحنة وصناعة المستقبل

    الأحد 14 ايلول 2025/
    نور المحبة وميزان القلوب

    نور المحبة وميزان القلوب

    الثلاثاء 02 ايلول 2025/
    من عبق الطريق إلى كربلاء

    من عبق الطريق إلى كربلاء

    الأحد 10 آب 2025/
    الإمام الرضا: حارس العقيدة ومجدد الوعي في وجه الانحراف الفكري

    الإمام الرضا: حارس العقيدة ومجدد الوعي في وجه الانحراف الفكري

    الأحد 11 آيار 2025/

    آخر الاضافات

    المكتب الذي دخل البيت ولم يخرج

    المشي على الجهاز أم الجري: أيهما أفضل كتمرين؟

    الفرق بين الوالدين والأبوين ومعنى كل منهما

    الزعفران.. خيوط ذهبية قد تساعد في تخفيف التوتر وتحسين الحالة النفسية

    نادي أصدقاء الكتاب يناقش: سر التوازن

    قصف الطفولة.. كيف تستنزف الشاشات انتباه الأطفال؟

    السيدة الزهراء والأحكام الإلهية… حين يكون الامتثال يقينًا بالحكمة

    الروبيان.. مصدر غني بالبروتين والعناصر الغذائية المفيدة لصحة الجسم

    آخر القراءات

    لا ﺗكوﻧﻲ أمةً أسيرةً ﻟﻠموﺿﺔ

    النشر : الأثنين 06 آب 2018
    اخر قراءة : منذ 15 دقيقة

    انقلاب خلقي!

    النشر : الأحد 13 آيار 2018
    اخر قراءة : منذ 15 دقيقة

    هل للحجاب معانٍ متعددة؟

    النشر : السبت 03 شباط 2018
    اخر قراءة : منذ 15 دقيقة

    الحجاب وجدلية الحرية في الاسلام

    النشر : الأثنين 11 كانون الأول 2017
    اخر قراءة : منذ 15 دقيقة

    شرطة الدنمرك تحقق مع شرطية احتضنت محتجة منقبة

    النشر : السبت 29 ايلول 2018
    اخر قراءة : منذ 16 دقيقة

    في اليوم العالمي للحجاب.. هل ساهم في تعزيز التسامح؟

    النشر : الثلاثاء 06 شباط 2018
    اخر قراءة : منذ 16 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    الجرح الذي لا يبرأ: الأبعاد الفكرية والتأسيسية لشهادة الصديقة الكبرى وتوصيات للشباب

    • 782 مشاهدات

    أغصان البخل وحجاب اللقاء.. هل نحن فاطميون حقا؟

    • 498 مشاهدات

    المرأة وصناعة الأثر.. الزهراء عليها السلام نموذجًا

    • 446 مشاهدات

    من يملك وقتك؟

    • 409 مشاهدات

    الخدر العاطفي: حين تتوقف الروح عن الشعور

    • 381 مشاهدات

    شهادة السيدة الزهراء وصوت المظلومية

    • 336 مشاهدات

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1566 مشاهدات

    في ذكرى ولادتها المباركة: السيدة زينب منارة الصبر ورسالة الوعي المعاصر

    • 1161 مشاهدات

    من ينقذ المسعف؟

    • 1015 مشاهدات

    الجرح الذي لا يبرأ: الأبعاد الفكرية والتأسيسية لشهادة الصديقة الكبرى وتوصيات للشباب

    • 782 مشاهدات

    في أكتوبر الوردي… الوعي خطوة نحو الحياة

    • 710 مشاهدات

    تحت شعار نقرأ لنرتقي.. جمعية المودة تقيم أمسية ثقافية بالذكرى العاشرة لتأسيس نادي أصدقاء الكتاب

    • 545 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    المكتب الذي دخل البيت ولم يخرج
    • منذ 38 دقيقة
    المشي على الجهاز أم الجري: أيهما أفضل كتمرين؟
    • منذ 41 دقيقة
    الفرق بين الوالدين والأبوين ومعنى كل منهما
    • منذ 44 دقيقة
    الزعفران.. خيوط ذهبية قد تساعد في تخفيف التوتر وتحسين الحالة النفسية
    • منذ 48 دقيقة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة