في زمنٍ تتسارع فيه ردود الأفعال أكثر من التفكير، وتُقاس فيه قوة الإنسان بحدة لسانه لا بعمق وعيه، أصبح من السهل أن ننزلق إلى دائرة “التعامل بالمثل”، تلك الدائرة التي تبرر لنا أن نرد الإساءة بالإساءة، وأن نُخرج أسوأ ما فينا بحجة أن الآخر هو من بدأ، كثيرًا ما نسمع العبارة الشائعة: “هم يستفزونك ليُظهروا حقيقتك”، فنقع في الفخ دون أن ندرك أن ما يظهر ليس حقيقتنا، بل لحظة ضعفنا.
في إحدى المحاضرات التي تناولت أساليب التعامل وضبط السلوك، طُرحت فكرة التعامل بالمثل كاستراتيجية شائعة، لكنها في الواقع سيفٌ ذو حدّين. فقد تبدو منصفة في ظاهرها، لكنها تُفقد الإنسان توازنه الداخلي، وتُبعده عن قيمه التي تربّى عليها. إذ كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على نقائه إذا سمح للآخرين أن يحددوا له سلوكه؟
إن ما نعيشه اليوم من تحولات اجتماعية وثقافية جعل العلاقات الإنسانية أكثر هشاشة، حيث طغت مظاهر القوة الزائفة، وأصبحت الجرأة في الإساءة تُفسَّر على أنها شجاعة، بينما يُنظر إلى الحِلم وضبط النفس على أنهما ضعف. هذه المفاهيم المغلوطة ساهمت في انتشار “ثقافة الغاب”، حيث يسود من يرفع صوته أكثر، لا من يملك حجةً أقوى. وغاب العقل في كثير من الأحيان، ليحل محله الانفعال، مدفوعًا بجهلٍ متراكم وسلوكٍ جمعي ينساق دون وعي.
لكن حين نعود إلى القيم الأصيلة التي نشأنا عليها، نجد أن هناك طريقًا آخر، طريقًا لا يعتمد على رد الإساءة بمثلها، بل على الارتقاء فوقها. وقد تجلّى هذا المعنى في سِيَر أهل البيت (عليهم السلام)، الذين قدّموا نموذجًا فريدًا في التعامل مع الإساءات. فقد رُوي أن أحدهم تعمّد استفزاز الإمام، طمعًا في أن يخرج منه ما يُدينه أمام الناس، إلا أن جواب الإمام كان درسًا خالدًا في ضبط النفس: “لو خرجت منك عشر كلمات، لم تسمع مني كلمة”. لم يكن ذلك عجزًا عن الرد، بل قدرةٌ على التحكم، وقوةٌ في الامتناع.
هذا النهج لا يُطلب من الإنسان أن يكون مثاليًا بلا مشاعر، بل أن يكون واعيًا بمشاعره، قادرًا على توجيهها لا أن يكون أسيرًا لها. فكم من مرةٍ اندفعنا في الرد، ثم جلسنا مع أنفسنا نلومها ونقول: “هذا ليس أنا”. تلك اللحظة من التأنيب ليست ضعفًا، بل دليل على أن في داخلنا بوصلةً أخلاقية لا تزال تعمل، وتُحاول إعادتنا إلى المسار الصحيح.
وهنا تأتي أهمية التذكير الدائم بما ورد في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة:
“إنَّ لسانَ المؤمنِ من وراء قلبِهِ، وإنَّ قلبَ المنافقِ من وراء لسانِهِ؛ لأنَّ المؤمنَ إذا أراد أن يتكلم بكلامٍ تدبَّره في نفسه، فإن كان خيرًا أبداه، وإن كان شرًّا واراه…”.
هذا القول يلخّص جوهر المسألة: ليس كل ما نشعر به يجب أن نقوله، وليس كل ما يُقال لنا يستحق ردًا.
إن ضبط النفس في لحظات الاستفزاز هو شكلٌ من أشكال القوة التي لا تُرى، لكنها تُبنى مع الوقت. هو اختيارٌ واعٍ بأن لا نسمح للآخر أن يُعيد تشكيلنا وفق انفعالاته. فالعلاقات الحقيقية لا تُبنى على ردود الأفعال، بل على الثبات في القيم، حتى عندما يتخلى الآخر عنها.
ولعل أهم ما يمكن أن نمارسه في هذا السياق هو المصارحة الصادقة مع النفس؛ أن نعترف بأخطائنا حين نخطئ، وأن نعتذر لأنفسنا قبل أن نعتذر للآخرين، وأن نستغفر حين ننزلق، لا لنجلد ذواتنا، بل لنُعيد بناءها. فالتغيير لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر وعيٍ مستمر، ومحاولات متكررة للتمسك بما نؤمن به.
في النهاية، ليس المطلوب أن نكون بلا رد، بل أن نختار ردودنا بعناية. أن نُدرك أن الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام، وأن الحِلم ليس ضعفًا، بل سيطرة. أن نحافظ على إنسانيتنا في عالمٍ يحاول أن يجرّنا إلى عكس ذلك. لأن القيمة الحقيقية للإنسان لا تظهر في لحظات الهدوء، بل في لحظات الاستفزاز، حين يختار أن يكون أفضل مما يُراد له أن يكون.








اضافةتعليق
التعليقات