الكاتب: د. عماد رشاد عثمان
عدد الصفحات: 310 صفحات
التصنيف: علم النفس
ثمة عناوين تستوقفنا وتثير في نفوسنا الدهشة والغرابة قبل أن نبدأ بقراءة الصفحة الأولى، وهذا ما نجح فيه الكاتب باختياره عنوانًا لافتًا وذكيًا، يحرّك فضولنا ويدفعنا إلى التساؤل والبحث عن الكتاب واقتنائه.
إذ نطرح سؤالنا الأول باستغراب: كيف يمكن أن يكون الأب مكروهًا؟ أليس هو أول دليل إلى الأمان؟
نقرأ لنجد الإجابة عن سؤال يمتلئ بالحيرة: كيف يمكن أن يتحوّل مصدر الأمان الأول إلى مصدر للجراح وسبب للمعاناة؟
وهنا لا بد أن نفهم أن حياتنا لا تخضع لقانون ثابت في الحب والكراهية والعلاقات، وأن المشاعر لا ينبغي أن تُحصر في قوالب جامدة تفرضها التجارب السابقة أو التقاليد المتوارثة، وتحديدًا في العلاقة بين الأبناء وآبائهم.
فمشاعر الآباء تجاه أبنائهم ترتبط، في جانب منها، بغريزة فطرية أودعها الله في تكوين الإنسان، بينما يتشكّل حب الأبناء لآبائهم ويتعمّق تدريجيًا عبر التجارب والمواقف والرعاية التي يتلقونها. فالطفل يبدأ حياته متلقيًا الحب والأمان، ومكتسبًا أنماط السلوك من محيطه دون وعي كامل أو اختيار، ثم يكبر ليكتشف أنه إما نتاج إيجابي لبيئة أسرية سليمة، أو ضحية معاناة ما زالت تغرس بذورها في أعماقه، حتى ينتهي به المطاف إلى القول: «أبي الذي أكره».
الإساءة النفسية وجذور المعاناة
يطرح الكاتب فكرة التعافي منذ تحليله للعنوان، ويجعلها الغاية الأساسية التي ينبغي الوصول إليها، لما يترتب على الانخراط في سلسلة من الإساءات من آثار سلبية كثيرة في حاضر الفرد ومستقبله.
ويحثّ على العمل من أجل التعافي والخروج من دائرة الضحية، واضعًا هذه المسؤولية على عاتق الفرد، وفقًا لطبيعة الإساءة التي تعرّض لها وآثارها النفسية.
وفي هذا السياق، لا يسعى الكاتب إلى هجاء الآباء، بل يعيد مرارًا تركيزه على التعافي بوصفه مسؤولية تجاه الذات، وسبيلًا للتحرر من آثار إساءات الوالدين. فيوضح أسباب الإساءة وكيفية التعامل معها وصولًا إلى اتخاذ قرار التعافي.
ولهذا، يشرح الكيفية التي تحدث بها الإساءة ضمن سلسلة سلوكية قد يكتسبها الأبناء من آبائهم، وتنتقل من جيل إلى آخر، إما دون وعي أو نتيجة العجز عن التغيير، وهي إساءة لا يمكن تبريرها في كلتا الحالتين.
نعلم أن الأسرة، بجناحيها الأساسيين، الأم والأب، هي البيئة الأولى التي ينشأ فيها شعور الطفل بالأمان النفسي، ومنها يستمد قدرته على مواجهة مخاوفه واكتشاف العالم.
وبالتركيز على دورها النفسي، فإن الأسرة هي الوطن الذي يأوي إليه أفرادها، وكل ما يناقض هذا الدور أو يهدم معناه قد يتحول إلى إساءة. وكل إساءة عميقة قد تُحدث جرح هجر نفسي، يقتلع المرء من تربة أمانه وبيئته الشعورية الحاضنة، فيجعله لاجئًا نفسيًا، عاريًا من الطمأنينة، يحاول ملء فراغاته الداخلية بأحد أشكال الإدمان أو بسلوكيات هروبية، لمواجهة الضغوط المتراكمة التي يعجز عن التعامل معها بوسائل صحية.
فالإساءة قد تعرقل النمو النفسي في مراحله الأولى، وتجعل الفرد يتخبط في فهم ذاته، ويواجه العالم بصعوبة، حتى يتكيف معه من خلال إنشاء ذات زائفة لا تشبه ذاته الحقيقية، تعويضًا عما فقده أو احتاج إليه خلال نموه، فتغدو تلك الذات درعه الاجتماعية.
ويبدأ ذلك في مراحل نشأته الأولى، حين يشعر بأنه يفتقد الاحتواء والأمان، ولا يجد من يستجيب لحاجاته العاطفية. عندها يتشكّل جرحه مبكرًا، ويبقى غائرًا في أعماق تكوينه، وينمو معه بسبب خوفه من الإفصاح عنه وعن آلامه الصغيرة، نتيجة أفكار واهية رسّختها البيئة المحيطة في عقله، مثل: «أنت صغير، ولا تحمل ألمًا».
فيبقى حاملًا ذلك الألم على هيئة غضب مستتر في داخله، قد يتحول لاحقًا إلى أشكال مختلفة من السلوكيات المضطربة.
توارث الألم عبر الأجيال
قد تنتقل هذه المأساة من جيل إلى آخر، فتتكرر أنماط الإساءة دون إدراك، وربما من أشخاص نحبهم ولا يقصدون إيذاءنا. غير أن المشاعر السلبية التي تسيطر على الفرد المسيء قد تقيّد وعيه وتتحكم في تصرفاته.
فالغضب الدفين الذي لم يتمكن من التعامل معه منذ طفولته قد يستمر في السيطرة عليه، ليصبح طفلًا مجروحًا في هيئة رجل كبير؛ لأنه تعرّض للصدمة مبكرًا، فكان تأثيرها أعمق، ونتائجها أكثر تجذرًا في تكوينه، ولا سيما حين جاءت الإساءة من أقرب الأشخاص إليه.
وبغض النظر عن أسبابها، فإن الإساءة قد تسلب الإنسان أمانه الداخلي، ليحل محله الخوف والقلق والشعور الدائم بالخطر المترقب. وبذلك تزرع بذور القلق في النفس، وتمتد آثارها إلى جوانب مختلفة من الحياة.
فالصدمة التي تتجاوز قدرة الإنسان النفسية على المواكبة والصمود قد تظهر آثارها لاحقًا في سلوكيات مضطربة أو أعراض نفسية وجسدية مرتبطة بالتجارب المؤلمة التي مرّ بها.
وربما يصل أثر الإساءة إلى كراهية الذات، وإثقالها باللوم والتحقير الدائم، نتيجة اعتقاد داخلي يمكن اختصاره بعبارة: «الخلل بي أنا».
وهذا الاعتقاد يعكس تشوهًا في طريقة إدراك الفرد لذاته والتواصل مع مشاعره، نتيجة البيئة الأسرية المضطربة التي نشأ فيها.
ولذلك، فإن من تعرض لجروح الهجر والإساءة قد يعيد إنتاج تجربته المؤلمة مع إخوته الصغار، أو مع الأسرة التي سيكوّنها يومًا ما، من زوجة وأطفال، بصورة لا واعية، رغم وعوده المتكررة لنفسه بألّا يفعل ذلك.
لكنه قد يجد نفسه مقيّدًا بأنماط سلوكية متوارثة من الإيذاء، إلى أن يقرر قطع تلك الحلقة المستديرة من الألم بمقصّ التعافي، والعمل على معالجة التشوهات النفسية التي خلّفتها الإساءة في داخله.
فالتعافي يتيح له إصلاح لغة التواصل العاطفي التي تعطلت بسبب حاجاته الشعورية غير المشبعة، واستعادة قدرته على فهم نفسه والآخرين والتعبير عن مشاعره بصورة سليمة.
الذات الزائفة والشعور بعدم الاستحقاق
قد يحاول الفرد الهروب من ألمه وتشتيته بوسائل خاطئة، فيعيق بذلك تقدمه ويحدّ من نموه النفسي، ويغرق في الشعور بعدم الاستحقاق وتحقير الذات.
ويضعف أمام مشاعر الشك في قدراته وإمكاناته، حتى يتوهم أنه لا يستحق المكانة التي وصل إليها، أو أنه أقل من الصورة التي يراه الآخرون عليها.
وقد يقلّص إمكاناته في التطور، ويتخذ دور البطل المضحي في قصته المأساوية، وهي قصة لم تمنحه الفرصة المناسبة للنمو الطبيعي.
ويمكن تفسير ذلك بأن عقله اللاواعي اعتاد الشعور بالحرمان وعدم الاستحقاق والتضحية، حتى أصبح عاجزًا عن إدراك مزاياه وحدوده الحقيقية.
وهذا جانب من التشوه الذي أصاب الطفل نتيجة نشأته في بيئة تفرض شروطًا صارمة على الحب والقبول، ولا تسمح له بالاعتراف بمشاعره الحقيقية. فيتعلم إظهار الطاعة وإخفاء الغضب في داخله، كي يحظى بحب مشروط بسلوكه، بدلًا من أن يشعر بأنه محبوب ومقبول لذاته.
فالأبوان هما المرآة الأولى التي يرى الطفل فيها نفسه، حتى قبل أن يتعرف إلى صورته الحقيقية. فإذا كانت تلك الصورة مشوهة بالمعاناة أو مثقلة بالتوقعات الجاهزة، مثل أن يصبح طبيبًا أو أن يكون مطيعًا دائمًا، فقد يكبر حاملًا صورة عن ذاته لا تشبهه.
وهكذا قد يستمر أثر الخذلان في علاقاته المستقبلية؛ فمن خذلته أمه قد يبحث عن الأمومة المفقودة في علاقاته بالنساء، ومن تعرضت للإساءة من والدها قد تجد صعوبة في الثقة بالرجال.
وبذلك قد يعيش هؤلاء مشاعر الفقد والرفض والتعلق، وربما يخلطون بين الحب والألم، معتقدين أن المحبة لا تتحقق إلا من خلال المعاناة.
كيف تنعكس جروح الطفولة على العلاقات؟
قد يعيد من تعرض للهجر ممارسة بعض السلوكيات التي مورست عليه، ويفكر وفق أنماط تلقائية نابعة من تجربته الأولى، التي أسهمت في تشكيل تصوراته عن العلاقات.
فهو يجد صعوبة في الإقرار بمشاعره أو فهمها وتقبّلها، وقد يعجز عن فهم الشريك بصورة متوازنة. وربما يلجأ إلى بعض الحيل النفسية لمقاومة شعوره بالخزي، أو إلى رثاء الذات هربًا من لومها، ثم تتسع هذه السلوكيات لتشمل جوانب مختلفة من حياته.
وقد ينجذب إلى أشخاص يشبهونه في شعورهم بالنقص، أو يميل إلى المثالية المفرطة، ويرفض طلب المساعدة، ويهدد بالرحيل، أو يتذمر قبل أن يعبّر بوضوح عن رغباته.
وربما يرهق نفسه في تحليل تصرفات الناس ونصحهم وتوبيخهم، استجابةً لصوت المثالية الصارخ في داخله. إنه يعاني صعوبة في فهم مشاعره الحقيقية وتقبّلها، فلا يستخدم قدراته الوجدانية بصورة متوازنة، بل يستنجد بذات زائفة تحميه من مواجهة الألم المستتر في أعماقه.
وهكذا يفقد جانبًا من المرونة النفسية التي تمكّنه من فهم مشاعره بسلاسة، واستيعاب المواقف وتحليلها منطقيًا وفق المعطيات المتاحة. فمن علامات النضج النفسي الاعتراف بالحاجات والمشاعر، والقدرة على طلبها والتعبير عنها، والإفصاح عن الأفكار وردود الأفعال بما يتناسب مع المواقف، مع إدراك أن التغيير حق وواجب في آن واحد.
فليس من وظيفة الآخرين توقّع مشاعرنا أو التنبؤ بحاجات لم نفصح عنها.
التعافي مسؤولية تجاه الذات والأجيال القادمة
للتعافي آثار فردية واجتماعية متعددة، من أهمها أنه يساعد على إصلاح الأنماط النفسية والسلوكية التي يحملها الفرد، ويحدّ من انتقالها إلى أسرته وأبنائه، ومن ثم إلى مجتمعه.
ولهذا يطرح الكاتب فكرة التعافي بوصفها مسؤولية نفسية تجاه الذات، ويدعو الإنسان إلى السعي لشفاء جراحه، رغم العوائق والصعوبات التي قد تمنعه من اتخاذ هذا القرار.
فمهما كانت أسباب الإساءة، فإنها لا تبرر استمرارها، ولا تعفي المسيء من مسؤولية سلوكه، لما قد تخلّفه من عواقب نفسية واجتماعية عميقة.
ويصبح التعافي وسيلة لقطع سلسلة الإساءة عند الفرد، ومنع انتقال آثارها إلى من يحبهم. غير أن التعافي لا يعني نسيان الإساءة، ولا إنكارها أو إخراجها من دائرة الوعي؛ فبعض التجارب المؤلمة لا يمكن محوها من الذاكرة، لأنها تركت آثارًا عميقة في النفس.
وإنما يتحقق التعافي بإعادة فهم التجربة، والنظر إليها من زاوية جديدة، بحيث يستطيع الإنسان تذكّر ما حدث دون أن يبقى أسيرًا للمشاعر نفسها التي رافقته في الماضي.
فلا يمكن تجاوز الألم دائمًا بمجرد الإشاحة عنه، ولا يمكن التحرر من الذكرى بالتمويه أو التناسي القسري.
وقد يبدأ التعافي حين نمتلك الشجاعة للاقتراب من الجرح برفق، ونضع الذكرى، بما تحمله من تفاصيل، على طاولة البوح الآمن، ثم نقرر التحرر من سجن المعاناة.
نسمح لأنفسنا أولًا بالاعتراف بما حدث، وبقبول مشاعرنا المؤلمة، ونمنح ذواتنا فرصة للتجاوز، رغم صعوبة هذه المرحلة.
فقد يرفض العقل في البداية مواجهة المشاعر الدفينة، أو يستجيب بالخوف والاضطراب، وربما يحاول الإنكار هربًا من وطأة الذكريات. ومن هنا تأتي أهمية التعامل الهادئ مع التجربة، والاستعانة بالعلاج النفسي المتخصص عند الحاجة.
فللبوح الآمن قدرة على تخفيف العبء النفسي، ومساعدة الإنسان على إعادة تنظيم تجربته المؤلمة وفهمها. وفي بعض الأساليب العلاجية المتخصصة، يمكن أن يسهم التعرض التدريجي والمنظّم للذكريات المؤلمة، ضمن بيئة علاجية آمنة، في تقليل شدة الاستجابة الانفعالية المرتبطة بها.
وقد يمر الإنسان خلال التعافي بمراحل من الحزن والغضب والمقاومة، لا تسير بالضرورة وفق ترتيب ثابت. وقد تشبه بعض هذه المراحل المخاض؛ إذ تتطلب احتمال قدر من الألم قبل الوصول إلى قدر أكبر من الهدوء والتوازن.
وهذا ما يجعل التعافي صعبًا ومؤلمًا في بداياته، وقد يحتاج الإنسان خلاله إلى فترات من الراحة والهدوء والانفراد بالذات، دون أن يتحول ذلك إلى عزلة دائمة عن مصادر الدعم.
قبول المشاعر أول الطريق نحو الشفاء
يشير علم النفس إلى أهمية تقبّل المشاعر والاعتراف بها بوصف ذلك خطوة أساسية نحو التعامل معها وتنظيمها، بينما قد تؤدي مقاومتها المستمرة أو إنكارها إلى زيادة المعاناة وصعوبة التعامل معها.
فالتعافي عملية نفسية معقدة تحتاج إلى بيئة آمنة وداعمة، وإلى قرار واعٍ بالسعي نحو الشفاء، ورفض استمرار الإساءة، مهما أحاطت بها من مبررات أو مظاهر إيجابية خادعة.
فالفضيلة التي تنمو تحت القمع ليست بالضرورة دليلًا على النقاء النفسي، كما أن النجاحات التي تتحقق بدافع الخوف أو الحاجة المستمرة إلى إثبات الذات قد لا تمنح صاحبها الشعور الحقيقي بالإشباع، وإن حققت له إنجازات ظاهرة.
ذلك أن الفرد قد يصبح مهووسًا بالفعل والإنجاز على حساب وجوده الإنساني، فتغدو قيمته في نظر نفسه مرتبطة بما يقدمه ويحققه، لا بما هو عليه من قيمة ذاتية.
وعليه، فإن التعافي مسؤولية إنسانية تجاه النفس، تكشف عن الشجاعة الكامنة في الإنسان، وعن قدرته على مواجهة جراحه وإعادة بناء ذاته.
إنه تحوّل عميق في العلاقة مع الماضي، ومحاولة للتحرر من الظروف القاسية التي عاشها، من خلال تقبّل الذات دون شروط قاسية، والتعامل معها بالمحبة والرحمة، والتخفف من العناد والحقد والرغبة المفرطة في السيطرة.
والوصول إلى مرحلة التجاوز لا يمثل محطة نهائية فحسب، بل بداية جديدة، تنطلق فيها الروح التي ظلت حبيسة الألم سنوات طويلة، وتستعيد حريتها في اختيار طريقها.
فالتعافي ليس محوًا للندوب، بل تعلّم العيش دون أن تتحكم تلك الندوب في مصير الإنسان، والسير نحو حياة أكثر اتزانًا وسلامًا. وهكذا يواصل الإنسان رحلته عبر مسارات الشفاء، حتى يتيقن بأن في نهاية نفق الألم المظلم نورًا يُدعى "التعافي".








اضافةتعليق
التعليقات