ناقش نادي أصدقاء الكتاب الذي يقام شهريا في جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية كتاب"وهم المعرفة".
لمؤلفيه ستيفن سلومان وفيليب فيرنباخ،
وهو رحلة عميقة ومبصرة في طبيعة الذكاء البشري، وكيفية بناء المجتمعات لمعرفتها. يقدم الكتاب أطروحة مركزية مفادها أننا كأفراد نعرف أقل بكثير مما نعتقد، وأن ذكاءنا الحقيقي لا يكمن في رؤوسنا كأفراد، بل في "مجتمع المعرفة" الذي نعيش فيه.
ومن أبرز أفكار الكتاب:
1. لغز الجهل الفردي والنجاح الجماعي
يبدأ الكتاب بمفارقة مذهلة:
كيف استطاع البشر بناء حضارات معقدة، وهبوط الإنسان على القمر، واكتشاف أسرار الذرة، بينما يعجز الشخص العادي عن شرح كيفية عمل أبسط الأدوات اليومية مثل "السيفون" أو "المحمصة الكهربائية"
البشر لديهم ثقة مفرطة في فهمهم للأشياء، وهو ما يسميه المؤلفان "وهم العمق التفسيري".
نحن نعتقد أننا نفهم الأنظمة المعقدة لأننا نستخدمها ببراعة، ولكن بمجرد أن يُطلب منا كتابة شرح خطوة بخطوة لكيفية عملها
نكتشف فجوة هائلة في معرفتنا.
2. وهم العمق التفسيري
يستعرض المؤلفان تجارب علمية أثبتت أن الناس يبالغون في تقدير فهمهم للعالم. عندما سُئل المشاركون عن مدى فهمهم لأدوات بسيطة (مثل القفل أو الدراجة)، أعطوا أنفسهم درجات مرتفعة. ولكن بعد أن طُلب منهم شرح الآلية بالتفصيل، تراجعت ثقتهم بشكل حاد واعترفوا بجهلهم.
هذا الوهم ليس مجرد صدفة، بل هو ميزة تطورية. الدماغ البشري مصمم ليكون "مقتصداً" في استهلاك الطاقة؛ فنحن لا نحتاج لتخزين كل التفاصيل التقنية للأشياء ما دمنا نعرف كيف نستخدمها أو نعرف من نصل إليه ليُصلحها لنا.
3. التفكير كفعل جماعي
هذه هي الفكرة الجوهرية في الكتاب: العقل البشري ليس جهاز كمبيوتر معزولاً، بل هو جزء من شبكة.
نحن نعيش في "مجتمع معرفة" حيث يتم توزيع المعلومات والخبرات بين الأفراد. ذكاؤك ليس ما تعرفه أنت وحدك، بل هو مجموع ما يمكنك الوصول إليه من خلال الآخرين، الكتب، الأدوات، والبيئة المحيطة.
تطور البشر ككائنات اجتماعية بامتياز، وقوتنا لا تكمن في قدرة الفرد الواحد على حل المشكلات، بل في قدرتنا على "القصدية المشتركة: أي القدرة على العمل معاً نحو هدف مشترك من خلال تقسيم العمل المعرفي.
المهندس يعرف كيف يصمم الجسر، والعامل يعرف كيف يصب الخرسانة، والمحاسب يعرف كيف يدير الميزانية. لا أحد منهم يملك الصورة الكاملة، لكن المجتمع ككل يملكها.
4. لماذا نخدع أنفسنا؟
لماذا لا نشعر بحدود معرفتنا؟ يرى سلومان وفيرنباخ أننا نخلط بين المعرفة الموجودة في رؤوسنا والمعرفة الموجودة في العالم من حولنا.
لأن الوصول إلى المعلومات أصبح سهلاً جداً (خاصة في عصر جوجل)، بدأنا نشعر بأن هذه المعلومات جزء من ذكائنا الشخصي.
نحن نعتبر معرفة الآخرين (الخبراء، الأصدقاء، الإنترنت) امتداداً لمعرفتنا الخاصة.
هذا التماهي هو ما يغذي "وهم المعرفة"؛ فنحن نشعر بأننا أذكياء لأننا محاطون بأنظمة وخبراء يقومون بالعمل الشاق نيابة عنا.
5. دور التكنولوجيا والإنترنت
يخصص الكتاب حيزاً لمناقشة كيف عمق الإنترنت هذا الوهم. بضغطة زر، يمكننا العثور على أي حقيقة، وهذا يجعلنا نشعر بأننا أكثر ثقافة، بينما نحن في الحقيقة نعتمد على "خارج الذاكرة".
التكنولوجيا تجعلنا ننجز مهاماً معقدة دون الحاجة لفهم المبادئ الأساسية، مما يزيد من اتساع الفجوة بين ما نفعله وما نفهمه.
6. وهم المعرفة والسياسة
أحد أخطر تطبيقات هذا الوهم هو في المجال السياسي والاجتماعي. يميل الناس لاتخاذ مواقف متطرفة في قضايا معقدة (مثل التغير المناخي، الرعاية الصحية، أو السياسات النقدية) دون فهم حقيقي لتفاصيلها.
أظهرت الأبحاث أن الناس عندما يُطلب منهم شرح "كيفية" عمل سياسة معينة بالتفصيل، فإنهم يصبحون أقل تطرفاً وأكثر اعترافاً بالتعقيد. أما عندما يُطلب منهم ذكر "لماذا" يؤيدون رأياً ما، فإنهم يزدادون تعصباً لأنهم يركزون على الهوية والقيم لا على الحقائق التقنية. نحن نتبنى آراءنا السياسية ليس بناءً على دراسة، بل بناءً على ما تؤمن به "القبيلة المعرفية" التي ننتمي إليها.
7. التعليم والذكاء في ضوء مجتمع المعرفة
ينتقد الكتاب نظام التعليم التقليدي الذي يركز على حشو رؤوس الطلاب بالمعلومات الفردية. بدلاً من ذلك، يقترح المؤلفان أن التعليم الناجح يجب أن يركز على:
فهم الحدود: تعليم الطلاب كيفية التعرف على ما لا يعرفونه.
التعاون: تنمية القدرة على العمل ضمن فريق وتوزيع المهام المعرفية.
التقييم: تعليم الناس كيف يقيمون مصداقية الخبراء والمصادر، لأننا سنظل دائماً معتمدين عليهم.
8. كيف نعيش مع وهم المعرفة؟
في الختام، لا يدعو الكتاب إلى اليأس من الجهل البشري، بل يدعو إلى التواضع المعرفي.
الاعتراف بأننا لا نعرف كل شيء هو الخطوة الأولى نحو اتخاذ قرارات أفضل.
للقادة: النجاح لا يأتي من كونك الأذكى، بل من قدرتك على بناء فريق يكمل بعضه بعضاً معرفياً.
للأفراد: لا تخجل من قول "لا أعرف"، وابحث عن الآراء التي تتحدى وهمك بالمعرفة
وفي الختام، كتاب "وهم المعرفة" هو صرخة لندرك أن الذكاء البشري هو سيمفونية جماعية وليس عزفاً منفرداً. نحن أذكياء لأننا نعيش في مجتمع يكمل نواقصنا، وخطورتنا تكمن في نسيان هذه الحقيقة والاعتقاد بأننا نمتلك الحقيقة المطلقة بمفردنا. إن فهمنا لهذا الوهم يجعلنا أكثر تسامحاً، أكثر تعاوناً، وأكثر حكمة في التعامل مع عالم يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم.
وجدير بالذكر أن نادي أصدقاء الكتاب أسسته جمعية المودة والازدهار لتنمية النسوية هادفاً إلى تشجيع القراءة والمطالعة عبر غرس حب الكتاب وفائدته في المجتمع ..








اضافةتعليق
التعليقات