في رحاب جلسة مشكاة التي تقيمها جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية مرتين شهرياً، تتجدد معاني التباحث العلمي لنرتشف من معين جامع السعادات، هذه الجلسة ليست مجرد قراءةٍ للنصوص بل مسعى واعٍ لفهمٍ أعمق، وتأملٍ أدق، وسلوكٍ يتكامل فيه العلم مع العمل، لنربط بين تراث الأئمة (عليهم السلام) والبناء الروحي للإنسان، في هذا الإطار تباحثنا في الجلسة السابقة عن شخصية المؤلف لكتاب جامع السعادات وتفاصيل رحلته في التأليف، وفي هذه الجلسة الثانية من مشكاة للصفحات (32-46) حول فلسفة علم الأخلاق من منظور عرفاني وفلسفي يربط بين طبيعة النفس البشرية ومصيرها الأبدي وذلك في ثلاث جوانب:
أولاً: فلسفة النفس والأخلاق بين تجرد الروح والكمال الإنساني، عبر مجموعة من الاختلافات:
1. ثنائية الإنسان وطبيعة النفس: يقدم المؤلف رؤية تقسيمية للإنسان؛ فهو مزيج من (بدن) مادي فانٍ، وروح (نفس) مجردة، وكما أن للبدن طباً يعالج أمراضه الجسمانية ليحقق له الصحة واللذة الحسية، فإن للروح علم الأخلاق الذي يعالج رذائلها ويحميها من الشقاء الأبدي والصحة في مفهوم الروح هي اتصافها بالفضائل التي تؤهلها لمجاورة الأرواح القدسية.
2. إثبات تجرد النفس وبقائها: يقدم النص أدلة عقلية على أن النفس ليست جسماً ولا مادة، ومن أبرزها:
• القدرة الاستيعابية: الأجسام إذا امتلأت بصورة ضاق مكانها عن غيرها أما النفس فكلما زادت معارفها وقبلت صوراً ذهنية، ازدادت قوة واتساعاً لاستيعاب المزيد.
• طبيعة الإدراك: النفس تدرك المعاني الكلية والمجردات كالعدل والجمال والمفاهيم الإلهية التي لا تملك أبعاداً مادية من طول، عرض، عمق، وما ليس بمادّي لا يمكن أن يحلّ إلا في جوهر مجرد مثله.
• الاستغراق والذهول عن البدن: في حالات التأمل والمناجاة والرياضات الفكرية، قد تصل النفس إلى حالة من الابتهاج الصافي تنسى فيها وجود بدنها تماماً مما يدل على أنها تنتمي لآفاق ملكوتية تتجاوز عالم المادة.
3. أثر الأخلاق على المعرفة والمصير: يوجد رابط وثيق بين التزكية الأخلاقية والقدرة على الإدراك، فالأخلاق الذميمة ليست مجرد سلوك سيئ بل هي حجاب يمنع النفس من رؤية الحقائق والمعارف الحقيقية، بالمقابل فإن الفضائل تصفي مرآة النفس لتنعكس فيها العلوم الإلهية.
4. قانون الملكات والجزاء: يشرح النص كيف تتحول الأعمال إلى ملكات أو صفات راسخة عبر التكرار المستمر للعمل الذي بدوره يؤدي إلى رسوخ الصفة في جوهر النفس والجزاء في الآخرة ليس أمراً خارجياً فحسب، بل هو تجسد لهذه الملكات؛ فمن غلبت عليه الصفات السبعية أو البهيمية في الدنيا، حُشر على صورتها باطناً، ومن صفت نفسه بالفضائل، كانت لذته في الآخرة هي عين كماله الذي حققه في الدنيا.
5. السعادة الحقيقية واللذة العقلية: إذ يوضح الفرق بين نوعين من اللذات (اللذات الحسية: وهي مشتركة مع الحيوانات، وهي زائلة ومنقضية، واللذات العقلية: وهي اللذة بإدراك الحقائق والقرب من الكمال، وهي اللذة الحقيقية الدائمة لأنها متصلة بجوهر النفس الباقي).
يركز الكاتب على أن النفس في هذا العالم في مرحلة بناء جبلّتها الثانية، وأن الوقت هو رأس المال الوحيد؛ فالفائت من العمر في الرذائل لا يُتدارك إلا بالتوبة والتزكية قبل مفارقة البدن، لأن النفس إذا فارقت البدن وهي محجوبة بالرذائل، بقيت في عذاب الضدية بين نزوعها الفطري للكمال وبين القيود التي كبلت بها نفسها في الدنيا، إن علم الأخلاق ليس مجرد تهذيب للسلوك، بل هو صناعة للإنسان وتحديد لهويته الباقية بعد الموت، حيث تتحول الأفعال إلى صفات، والصفات إلى صور أخروية تحدد مستوى السعادة أو الشقاء.
6. سيادة النفس على الحواس: يستكمل المؤلف أدلته على أن النفس جوهر مجرد لا يخضع لقوانين المادة ويستند في ذلك إلى قدرة النفس على نقد الحواس؛ فالحواس كثيراً ما تخطئ (كأن يرى البصرُ الشيءَ الكبير صغيراً لبعده، أو يرى العصا في الماء مكسورة)، وهنا يأتي دور النفس لتدحض حكم الحس وتثبت الحقيقة، إذ الحاكم على الشيء أعلى رتبة منه فبما أن النفس هي التي تصحح أخطاء الحواس، فهي إذن تستمد علمها من مبادئ علوية كلية لا من المعطيات الحسية المادية.
7. الاستقلال عن البدن: ومن الأدلة أيضاً أن البدن قد يضعف في سن الشيخوخة بينما تزداد النفس قوةً وحكمةً وحدّةً في الإدراك، ولو كانت النفس مادية لضعفت بضعف البدن بالضرورة.
8. بقاء النفس الحقيقية لا تبيد: بعد إثبات أن النفس مجردة أي ليست جسماً واثبات حتمية بقائها بعد خراب البدن، فالفساد والزوال من صفات المادة القابلة للتحلل أما الجوهر المجرد فهو حقيقة والحقائق بسيطة لا تتركب من أجزاء لتنفصل لذا فهي باقية أبد الدهر إما في نعيم مقيم أو في عذاب دائم.
ثم يشرح المؤلف عن كمالات النفس الجناحان (النظر والعمل) السعادة والالتذاذ الأبدي للنفس يتوقفان على وصولها إلى كمالها الخاص وهذا الكمال يتمثل في قوتين (الحكمة النظرية) وكمالها في الإحاطة بحقائق الوجود والترقي في المعرفة حتى الوصول إلى توحيد الله والاطمئنان بنور العرفان، أما الحكمة العملية وكمالها في التخلية أي تطهير النفس من الرذائل والتحلية أي تزيينها بالفضائل، وصولاً إلى إخلاص السر لله وحده، والقوة النظرية كالصورة والقوة العملية كالمادة، ولا يكتمل الإنسان التام إلا باجتماعهما، ليصبح عالماً صغيراً يضاهي في كماله العالم الكبير.
9. قانون التخلية قبل التحلية وهي قاعدة تربوية وأخلاقية ذهبية، لا يمكن للفضائل أن تستقر في النفس ما لم تُقتلع الرذائل ومن التشبيهات مثلاً: المرآة لا تعكس الصور إلا بعد جلاء كدورتها والثوب لا يقبل الصبغ إلا بعد غسله من الأوساخ والبدن لا يستعيد صحته إلا بعد زوال العلة؛ كذلك النفس لا تنفعها العبادات الظاهرة كالصلاة والذكر إذا كان الباطن ملوثاً بالكبر والحسد والرياء وطلب الشهرة والتحذير من النفاق الباطني يشبّه النص من يزين ظاهره بالعبادات ويهمل باطنه المليء بالرذائل بالقبر المزخرف؛ ظاهره زينة وباطنه جيفة ونتن أو كبئر الصرف الصحي التي طُليت بالجص من الخارج وبقي جوفها قذراً.
إن الأخلاق ليست نافلة بل هي ميزان الخروج من هذه الدنيا فكما أن الجنين يحتاج إلى نمو أعضائه بشكل سوي ليخرج للدنيا سليماً، فإن الإنسان يحتاج إلى اعتدال الأخلاق ليخرج إلى الآخرة بصيراً وسوياً ومن قصر في تزكية نفسه هنا، سيُحشر هناك أعمى وأضل سبيلاً لأن العمى الحقيقي هو عمى القلب عن الفضائل والمعارف الإلهية.
ثانياً: بين طهارة الباطن ونور المعرفة.. فلسفة الحجاب والشهود
1. عقم الطاعات الظاهرة مع فساد الباطن، إن الانشغال بالعبادات الظاهرة مع إهمال تصفية القلب من الرذائل هو سعيٌ ضائع من الأمثلة على ذلك (مثل الزرع والحشيش من يترك الرذائل في قلبه ويكتفي بالعبادات كمن يحاول إصلاح زرعه بقطع رؤوس الحشيش الضار وترك جذوره فإنه لا يلبث أن ينبت ويقوى ويفسد الزرع الأصلي، وكذلك مرض الجرب من يعالج الجرب بالطلاء الخارجي فقط دون شرب الدواء الذي يقلع المادة المسببة للمرض من الداخل فإنه يخدع نفسه إذ سيتفجر المرض مرة أخرى من الباطن) لأن الأخلاق المذمومة هي مغارس المعاصي وما لم تُقتلع من جذورها لا تستقر في النفس طاعة حقيقية ولا يثمر فيها نور.
2. الأخلاق الذميمة كحجاب مانع: يُطرح هنا مفهوم القلب كالإناء فإذا امتلئ الإناء بالرذائل والاشتغال بغير الله تعالى لم يجد نور المعرفة فيه مكاناً، والأخلاق الرديئة أشبه بأغطية تمنع النفس من النظر إلى ملكوت السماوات والأرض وبقدر ما يتطهر القلب من هذه الخبائث، بقدر ما يتحاذى مع الحق الأول وتتجلى فيه الحقائق الإلهية.
3. العلم الحقيقي هو نورٌ إلهي لا كسبٌ عقلاني إذ يشرح المؤلف الفرق بين العلم الكسبي وبين العلم النوراني الذي يقذفه الله في قلب من يشاء ويتصف هذا العلم بأنه (لا يقبل الشك وله غاية الانجلاء والظهور، يتوقف حصوله على تصقيل مرآة القلب وليس على بخل من جهة المنعم وهو الله تعالى، فالعطاء الإلهي مبذول للكل ولكن الصدأ المتراكم على القلوب هو الذي يمنع الانعكاس، من يعمل بما علم يورثه الله علم ما لم يعلم فتتفتح له من المزايا الإلهية ما يعجز عنه أكابر العلماء المنغمسين في الرسوم الظاهرة).
4. من صفات السالكين والراسخين الذي يذكرهم أمير المؤمنين (عليه السلام)، يصف النص حال من أزهر مصباح الهدى في قلبه؛ هو إنسان خلع سرابيل الشهوات، وأمات نفسه الحيوانية ليحيي قلبه الروحاني حتى يرى بوضوح اليقين ما يستوحش منه الجاهلون، وهؤلاء يعيشون في الدنيا بأبدانهم لكن أرواحهم معلقة بالمحل الأعلى وقد باشروا روح اليقين الذي استلانوا به كل صعب.
5. طهارة السر التي ذكرها المؤلف عبر العلم الحقيقي الذي يتمثل بعبادة السر وكما لا تصح الصلاة (عبادة الظاهر) إلا بطهارة البدن من النجاسة، لا تصح عبادة الباطن إلا بطهارة القلب من رذائل الأخلاق والعمل على التطوير الروحي سراً، والحديث النبوي الشريف (ص): (لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب) إذ مثل النص النبوي الرذائل بالكلاب النابحة داخل بيت القلب؛ فكما لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب، لا تدخل الملائكة القادسة (حاملة الأنوار والعلم) قلباً مشحوناً بصفات الكبر والحسد والرياء، بالنتيجة إن طريق السعادة القصوى والخلافة الإلهية يمر عبر التصفية والتحلية، فمتى ما ارتفع الحجاب الأخلاقي، ارتسمت صور الموجودات في النفس بحدودها ولوازمها ووصل الإنسان إلى اللذات العقلية التي لا تشبهها لذة وفاز بالرئاسة المعنوية التي تجعله موجوداً تاماً أبدياً.
ثالثاً: تجسد الأعمال والملكات.. الإنسان صانع مصيره الأبدي
1. اليقين الحقيقي والاستدلال الفكري: هناك فرق بين نوعين من العلم؛ علم يحصل بالمجادلات والاستدلالات الفكرية الجافة وعلم يقيني يحصل بتصقيل جوهر النفس، فالأول قد يشوبه الكدر والظلمة، أما الثاني فيلزمه روح ونور وبهجة. اليقين الحقيقي ليس مجرد اعتقاد جازم بل هو حالة من الاستغراق في عظمة الله تعالى ولا ينال هذا المقام إلا من جاهد في تزكية نفسه ليرفع عنها أستار الخطيئات التي تحجب التجرد الروحاني.
2. كيف تتحول الأفعال إلى ملكات؟ إن النفس البشرية تولد كالصفحة الخالية لكن كل قول أو فعل يصدر عن الإنسان يترك أثراً في نفسه ومع التكرار، يستحكم هذا الأثر ليصبح ملكة راسخة وصورة باطنة، مثل الفحم كما تبدأ الحرارة في الفحم ضعيفة ثم تشتد حتى يصير جمرة مضيئة ومحرقة، كذلك الأفعال تتحول بتكرارها إلى صور باطنة هي منشأ كل ما يصدر عن الإنسان ولذلك كان تأديب الأطفال أسهل لأن نفوسهم لم تتصلب بعد بصور الرذائل أو الفضائل.
3. نظرية العمل هو نفس الجزاء، إذ طُرحت رؤية عميقة للثواب والعقاب فالجزاء ليس أمراً خارجياً يُعطى للإنسان بل هو نفس العمل وقد تجلى بصورته الملكوتية، ثم حقيقة تعدد العوالم والشيء الواحد يظهر في كل عالم بصورة تناسبه فالعلم الذي ندركه في الدنيا كمعنى مجرد، يظهر في عالم النور بصورة لبن والسرور في الدنيا قد يظهر في الرؤيا بصورة بكاء، أما الصور الروحانية من خلال تحول الفضائل في الآخرة إلى صور مأنوسة (ملائكة، حور، غلمان) والرذائل تتحول إلى صور موحشة (شياطين، حيات، عقارب) فالإنسان في قبره لا يدفن وحيداً بل يدفن معه عمله كقرين حي، إن كان كريماً أكرمه وإن كان لئيماً أوحشه.
4. فلسفة الخلود في الجنة والنار إذ يُجيب النص على تساؤل منطقي (كيف يعذب الإنسان للأبد على معصية فعلها في زمن قصير؟) الإجابة هي أن النية والملكة هي منشأ الخلود فالمعصية ليست مجرد فعل عابر بل هي أثر راسخ في جوهر النفس لا يزول بمجرد الموت وبما أن الملكة باقية، فإن أثرها (العذاب أو النعيم) باقٍ ببقائها وهذا هو معنى قوله تعالى: (ووجدوا ما عملوا حاضراً) (الكهف: 49)فالعمل يحضر بذاته وصفته.
5. تضاد الدنيا والآخرة: يختتم بتنبيه هام حول التضاد بين عالم المادة (الدنيا) وعالم البقاء (الآخرة)، فالانغماس في لذات الدنيا الحسية التي نشارك فيها البهائم هو ابتعاد بالضرورة عن عالم البهجة العقلية وأسوأ الناس حالاً هو من أفنى عمره في إصلاح المعاش وجمع الحطام، ظناً منه أنه مخلد حتى إذا أدركه الموت كُشف عنه الغطاء ورأى صحيفة نفسه مليئة بالحسرات فيندم حيث لا ينفع الندم، فالإنسان في كل لحظة من حياته يبني هويته الأخروية فأفكاره وأعماله تتحول إلى كائنات روحانية ستحيط به في دار القرار فمن أراد السعادة لابد أن يجعل نياته وأعماله صالحات تكون له أنيساً في وحشة القبر ونوراً في ظلمات القيامة.








اضافةتعليق
التعليقات