لا تخلو حياة زوجية من المشكلات، ومن يعتقد غير ذلك فهو واهم أو حالم. بل قيل عن المشكلات الزوجية أنها كملح الطعام، لا غنى عنها، كذلك هي. والحق كذلك، فما دام الناس يتفاوتون في مستوى تفكيرهم، ويختلفون في أمزجتهم وطبيعتهم، ونظرتهم للأمور، فالمحصلة الطبيعية لتلك الاختلافات تصادم الإرادات والسلوكيات بين الأفراد ومن الجنسين.
والحياة الزوجية مختبر صغير، ونموذج مصغر للاختلاف البشري، ف(ليس الذكر كالأنثى). بيد أن ذلك الاختلاف لا يعني بالضرورة استحالة التوافق والانسجام بين الزوجين، بل أن ذلك يمكن أن يكون أساساً للتكامل والانصهار (كنفس واحدة).
وبمعنى آخر فإن الطبيعة المختلفة للزوجين ليست أساساً للمشكلة، وإنما تنطلق المشكلات من خلال الأداء السيئ للزوجين، وإدارتهما الخاطئة للحياة الزوجية، لأسباب كثيرة لسنا بصدد الحديث عنها الآن. وما دمنا نسلم بوجود مشكلات فى الحياة الزوجية سواء كان ذلك بسبب تدخل الأهل، أو لعمل المرأة، أو للمشاكل المالية التي تعصف بالحياة الزوجية أو غير ذلك من المشكلات... إذاً كيف نتعامل معها، وما هي القواعد المفيدة في ذلك؟
عدم تضخيم المشكلات
البعض تستهويهم تهويل وتضخيم المشكلات فما إن تحدث مشكلة زوجية حتى تكبر في نفوسهم، وتتحول إلى أزمة كبرى في حياتهم، لا يستطيعون هضمها، ويتحدثون مع القريب والبعيد عهنا، وتصبح شغلهم الشاغل كما يقال! إلا أن هذه الطريقة في التعامل مع المشكلات تفاقم الموقف وتزيده تعقيداً، وهي بمثابة من يصب الزيت على النار.
إننا ينبغي أن نكون أكثر اتزاناً وتماسكاً عند حدوث الأزمات، فليس صحيحاً تضخيمها، وليس من الحكمة أيضاً تجاهلها وإهمالها لأن ذلك أيضا يراكم حالة الاحتقان في العلاقات الأسرية.
إن النظرة الموضوعية للأمور وأخذها بحجمها الطبيعي كفيل بتهوين الأمر، وبعث السكينة واحتواء الانزعاج لمواجهة المشكلة بحجمها الطبيعي. وعدم التصعيد بالألفاظ والتراشق بالكلمات، أو استخدام الموقف المعادي للشريك، واستفزازه.
استخدام وسائل الحوار في حل المشكلة
فالتفاهم بين الزوجين يذيب أعقد المشاكل، واستخدام العقل البارد كفيل بإطفاء أسوء الخلافات، فكل إنسان سوي يستقبل المنطق السليم، والأسلوب الهادئ ينبذ الصراخ والشتيمة والتعصب، والاستفزاز.
توقيت الحوار:
بالتأكيد ليس كل وقت يمكن أن يكون مناسباً للتحاور والتفاهم في حل المشكلة، وليس كل مكان مهيأ لتبادل الأفكار وتشريح المشكلة.. بل على الزوجين اختيار الوقت والمكان المناسبين فليس من المعقول أن تطلب الزوجة فتح حوار في المشكلة بعد مجيء الزوج من العمل مباشرة وهو في حاجة إلى أخذ نصيب من الراحة، كما أنه ليس من الحكمة أن تناقش المشكلة عند النوم أو عند حدوث مصيبة لأحدهما !
بل يمكن للزوجين أن يتدبرا في المشكلة في أجواء مريحة ومسترخية، وفي مكان بعيد عن الأطفال.. خوفاً من انفلات زمام الأمور وخروجها عن السيطرة.
المرونة وسعة الصدر
لنتذكر دائماً أن الحوار والتفاهم يتم بين زوجين وشريكين حميمين، وليس بين عدوين والمؤسسة الأسرية تتطلب من الزوجين إبداء المزيد من المرونة بل والتضحية والتنازل عن الحق قربة وطاعة إلى الله سبحانه وتعالى وامتثالاً لأمره عز وجل وتعاليم الشرع الحنيف، يقول عز من قائل: (أحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ) .
إننا مأمورون بالإحسان، والعفو، والحياة الزوجية تستحق التضحية، والصبر والإحسان إلى الشريك.
تفهم حاجات الطرف الآخر:
تدفع الأنانية في كثير من الأحيان الأشخاص إلى تحميل الآخر الخطأ، وإعفاء الذات من المسؤولية، إلا أن من الحكمة إنصاف الشريك الآخر، واتهام الذات، وعدم تزكية النفس، ووضع الذات مكان الآخر، فما من مشكلة زوجية غالبا تكون أسبابها من طرف واحد، بل يشترك الجميع ولو بنسب مختلفة في إيجادها وتكونها.
وحتى لا نفشل في وضع حد للمشكلة من أول الأمر إذاً علينا أن لا نبعد أنفسنا عن المشكلة ونضع اللوم على الآخر ونبرئ ساحتنا !
بل علينا أن نتمسك بالشجاعة الأدبية للاعتراف بالخطأ، والإقرار به، والتعامل مع النفس والآخرين على أساس ذلك.
استحضار إيجابيات الآخر:
ليس من الحكمة أن نسقط الشريك الزوجي من نفوسنا، ونعبىء قلوبنا ضغينة وحقدا لمجرد انه أخطأ في ظرف معين أو تحت ضغط نفسي، ونتناسى إيجابياته، وعشرته الطيبة، فلا يصح التنكر لأخلاقيات الآخرين وعطاءاتهم قبل حل المشكلة حتى لا يختلط الحابل بالنابل كما يقال. يقول عز من قائل: (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ ).
إن علينا أن نستحضر كل تلك المحاسن عند اشتداد المشكلة حتى نكون أكثر حكمة وروية عند تعاطي المشكلة.. فلا نتهور في إصدار قرار نهائي أحمق لمجرد خطأ حدث في دقائق معينة. في حين تتواصل الحياة الزوجية بسعادتها وأنسها لعشرات السنين.
إن بعض الناس لا يستذكرون في معمعة المشاكل إلا كل شائبة، ونقيصة أو عيب يتصل بالشريك الآخر، وكأنهم بريئون منها !
الاحتكام للمرجعية الشرعية
يستهوي البعض الانتصار لنفسه اعتماداً على ما هو سائد في المجتمع من ممارسات وتقاليد بحكم تأثير الموروثات الاجتماعية التي تجحف حق المرأة، وتعطي كل الحق بيد الرجل فيقول لزوجته مثلاً: ان زوجة فلان لا تعصي له أمراً في كل شيء، إذ هو السيد، وليس لها كلمة أمامه، فلماذا لا تكوني مثلها، وتنتهي المشاكل !
بيد أن الاحتكام إلى الأعراف والتقاليد الاجتماعية الظالمة والمتخلفة لا تحل المشكلة في عصر وعي المرأة بحقوقها، وإدراكها.
وفي لفتة مهمة تذكرها كتب التراث: أن علياً وفاطمة عليهما السلام احتكما إلى الرسول الأكرم حول مسؤولية كل منهما، فحكم على فاطمة عليها السلام أن تقع مسؤوليتها داخل البيت، وعلى علي خارجه، وأستطيع الجزم على القول بصحة هذه الرواية، بأن هذه الرواية تعليمية، قصد منها أن يتعلم الزوجان المسلمان الاحتكام إلى المرجعية الشرعية، وإلى تعليم الدين عند بروز أي خلاف بينهما، وعدم الرجوع و الاحتكام للتقاليد المريضة، والأعراف البائسة لأنها تمثل المشكلة الأعقد.
إن بوابة الشرع واسعة لمن يريد أن يُسلم لأمر الله ويخرج من ظلمة نفسه وأنانيتها ومصالحها الضيقة رجلاً كان أو امرأة!
تقوى الله
في المشاكل لا توزع الحلوى، وإنما يحاول كل طرف إثبات الحق لنفسه، وتسفيه آراء الطرف الآخر، ويتمادى البعض في تزوير الحقائق وكيل التهم جزافا يدفعه شحناء النفس وضغائنها .. وعلى الإنسان في مثل هذه الحالات أن يخاف الله، ويتذكر أن الله عز وجل سيحاسبه يوما ما، وأنه لن ينجو من عقابه وأنه لو حقق النصر والظفر على شريكه بالكذب وكيل التهم، فإن أحداً لن يستطيع نصره يوم الحساب !
وعليه أن يضع الله سبحانه وتعالى نصب عينيه في الدنيا ويخافه سبحانه حتى يكتب له التوفيق في الحياة الدنيا، والثواب الجزيل في الآخرة. يقول تعالى: (.. وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لَتَعْتَدُوا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهُ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عليم).
الاستشارة عنوان الحكمة
ورد في المأثور عن الامام علي عليه السلام : (ما خاب من استشار) . (وخير الناس من جمع عقول الناس إلى عقله) ..
فمن غير الممكن أن يدعي أحد أنه يستطيع الإحاطة بكل أمر، وأنه قادر على حل جميع المشكلات، فكثير من الأحيان يجهل الإنسان أموراً كثيرة، ويعاني البعض من نقص الخبرة في التعامل مع المشكلات، لكل ذلك من المستحسن أن يلجأ الزوجان للاستفادة من استشارة الأهل ذوي الخبرة أو أصحاب الخبرة الذين يتصفون بالأمانة، ويمكن الاستشارة دون أن يفهم أن المسألة تخص المستشير نفسه إبعاداً للنفس عن الحرج الشخصي، ومنعاً لتوسعة رقعة المشكلة وإدخال الآخرين فيها.








اضافةتعليق
التعليقات