"في الزلازل وقور، وفي المكاره صبور، وفي الرخاء شكور. لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم فيمن يحب".
في هذه العبارة يشير الإمام علي (عليه السلام) إلى صفات أخرى للمتقين، وهي: الشجاعة، والمقاومة، والشكر، والإنصاف، وثبات الشخصية. إن مجموعة هذه الصفات الجليلة تتبلور في صفة واحدة وهي "الاستقامة". لذلك، فإن استقرار الشخصية والقدرة على التحمل هما من أعلى قمم الكمال البشري، والوصول إلى هذا المستوى العالي مهمة شاقة. ولهذا قال نبي الإسلام الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم): "شيّبتني سورة هود".
والسبب في ذلك أن الله تعالى في سورة هود يأمر نبي الإسلام الكريم والمؤمنين أيضاً بالمثابرة والاستقامة، ويقول: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.
والنقطة الدقيقة في فهم أهمية هذه الآية في سورة هود، هي أنه بالإضافة إلى رسول الإسلام الكريم، يُطلب من المسلمين أيضاً المثابرة والصبر في مواجهة الأحداث الهائلة. كان من الممكن التحلي بالصبر والمثابرة من قبل الرسول الكريم، لكن من الصعب جداً على عامة المسلمين ضمان التحمل والصبر والاستقامة في مواجهة الصعوبات الرهيبة. وهناك خمس سمات تنبع من مصدر المثابرة والاستقامة:
الشجاعة: إن الشجاعة الحقيقية في مواجهة الأحداث القاسية تُكتسب في ضوء اعتماد الإنسان على قوة الله الأبدية: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}.
المقاومة: إن المقاومة أمام عاصفة الأحداث تتحقق أيضاً في ظل الإيمان الحقيقي بالرب العظيم، لذلك قال أمير المؤمنين في بيان آخر: "المؤمن كالجبل الراسخ، لا تحركه العواصف".
الشكر: بعد إظهار الشجاعة والمقاومة تجاه الشدائد، عادة ما يحقق المرء النجاح والنصر. لذلك، يشير الإمام علي (عليه السلام) في استمرار حديثه إلى ضرورة شكر الله عند وصول الخير والرخاء، كما يقول القرآن الكريم: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}.
العدل والإنصاف: إن العدل في جميع المواقف، حتى في مواجهة الخصوم والأعداء وفي جميع الظروف، هو من الصفات القيمة للأتقياء. حيث يقول نبي الإسلام الكريم: "ما أنفق مؤمن من نفقة هي أحب إلى الله عز وجل من قول الحق في الرضا والغضب". ويقول الإمام علي (عليه السلام): "الحق أقوى ظهير", وأيضاً: "المغلوب بالحق غالب", وكذلك: "إن الحق لا يُعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله".
الثبات وضبط النفس: يقول أمير المؤمنين في "نهج البلاغة" في مجال الاستقرار الذاتي وعدم الخروج من دائرة الحق في التعامل مع الأصدقاء والأقارب: "أَنْصِفِ اللَّهَ وَأَنْصِفِ النَّاسَ مِنْ نَفْسِكَ، وَمِنْ خَاصَّةِ أَهْلِكَ، وَمَنْ لَكَ فِيهِ هَوًى مِنْ رَعِيَّتِكَ، فَإِنَّكَ إِلَّا تَفْعَلْ تَظْلِمْ، وَمَنْ ظَلَمَ عِبَادَ اللَّهِ كَانَ اللَّهُ خَصْمَهُ دُونَ عِبَادِهِ، وَمَنْ خَاصَمَهُ اللَّهُ أَدْحَصَ حُجَّتَهُ".
ونخلص مما تقدم إلى أن الاستقامة ليست مجرد ثبات ظاهري، بل هي حالة من التوازن الروحي والعقلي تجعل الإنسان "كالطود الأشم" لا تزلزله العواصف ولا تغريه النعم. إن القوة التي تجعل المؤمن وقوراً في الزلازل، وصبوراً في المكاره، وعادلاً مع الخصوم، هي ذاتها القوة التي تمنحه القدرة على ضبط لجام النفس عند الرخاء والمحبة.
إن نداء القرآن الكريم في سورة هود {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} يضعنا أمام مسؤولية كبرى؛ فالمطلوب ليس مجرد الصمود، بل الصمود وفق المنهج الإلهي الذي لا يطغى فيه الإنسان ولا يحيف. وبذلك تصبح حياة المتقي سلسلة متصلة من الشجاعة والمقاومة والشكر والعدل، لتشكل في مجموعها "الإنسان الكامل" الذي لا يرى في الحق مشقة، ولا في العدل غرامة، بل يراهما السبيل الوحيد لنيل رضا الله وبلوغ السكينة المطلقة.








اضافةتعليق
التعليقات