تُنسب إلى التراث حكمة تقول: «جمال الرجال في عقولهم»، وهي عبارة تختصر جانبًا مهمًا من حقيقة الإنسان؛ فالجمال الحقيقي لا يقتصر على المظهر والملبس وملامح الوجه ولون البشرة، وإنما يرتبط بما يمتلكه الإنسان من عقل ومعرفة وحكمة وقدرة على الإبداع واتخاذ المواقف الصحيحة.
وكم من شخص جميل الهيئة لا يترك أثرًا في الآخرين، وكم من إنسان بسيط المظهر يحظى بمحبة الناس واحترامهم لما يمتلكه من علم وحكمة وخلق ومواقف نبيلة. فقيمة الإنسان في نهاية المطاف لا تصنعها ملامحه، بل يصنعها عقله وما يقدمه للحياة.
ولا يعني ذلك إهمال المظهر أو النظافة والأناقة؛ فالتجمل والاهتمام بالنظافة أمران مطلوبان. وقد ورد: «إن الله جميل يحب الجمال»، كما حثت الروايات على حسن الهيئة والنظافة. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول المظهر إلى الشغل الشاغل للإنسان، فيصرف عليه من الوقت والجهد أكثر مما يصرفه على تنمية عقله وشخصيته ومعرفته.
فالأناقة تضيف إلى الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تعوض خواء العقل، كما أن بساطة المظهر لا تنتقص من قيمة صاحب الفكر والحكمة.
حين يكون العقل مصدر الجمال
يقدم التاريخ نماذج كثيرة لأشخاص لم يكن مظهرهم هو سر حضورهم وتأثيرهم. ومن هؤلاء المهاتما غاندي، الذي عُرف بملابسه البسيطة رغم مكانته السياسية الكبيرة.
وعندما زار بريطانيا والتقى الملك جورج الخامس، ظهر بلباسه التقليدي البسيط في مقابل الملابس الملكية الفخمة والأوسمة التي كان يرتديها الملك. وحين سأله أحد الصحفيين عن الفارق بين ملبسه البسيط ومظهر الملك، نُسب إليه أنه أجاب مازحًا بأن الملك كان يرتدي من الثياب ما يكفيهما معًا.
وسواء أخذنا هذه القصة بوصفها موقفًا تاريخيًا أو تعبيرًا عن فلسفة غاندي، فإن معناها واضح: قيمة الإنسان لا يصنعها الثوب الذي يرتديه، وإنما الفكرة التي يحملها والموقف الذي يقفه.
وقد أولى الإسلام العقل منزلة رفيعة، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «إنما يُدرك الخير كله بالعقل، ولا دين لمن لا عقل له». كما روي عن الإمام موسى الكاظم عليه السلام قوله لهشام: «إن لله على الناس حجتين: حجة ظاهرة وحجة باطنة؛ فأما الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمة، وأما الباطنة فالعقول».
فالعقل ليس أداة لفهم الحياة فحسب، بل هو الميزان الذي يميز به الإنسان بين الصواب والخطأ، والنافع والضار، والحقيقة والوهم.
الثواب على قدر العقل
وفي التراث الإسلامي تأكيد واضح على أن قيمة العمل لا تنفصل عن الوعي الذي يصاحبه. فقد مدح رجلٌ أمام الإمام الصادق عليه السلام شخصًا بعبادته ودينه، فسأله الإمام: «كيف عقله؟»، فلما أجاب بأنه لا يدري، قال الإمام: «إن الثواب على قدر العقل».
وهذا المعنى يلفت النظر إلى أن كثرة الأعمال وحدها ليست المعيار، وإنما مقدار الوعي والبصيرة اللذين يرافقانها.
فالإنسان قد يكرر عملًا عشرات المرات دون أن يتأمل معناه، بينما يستطيع آخر أن يحول العمل نفسه إلى وسيلة لفهم ذاته وحياته وعلاقته بالله.
ولهذا روي عن الإمام الصادق عليه السلام: «العقل دليل المؤمن»؛ لأن الإنسان بعقله يعرف وجهته، ويحدد أولوياته، ويميّز بين ما يستحق أن يمنحه عمره وما ينبغي أن يتجاوزه.
العقل يحتاج إلى غذاء
العقل لا يكتمل بمجرد ولادة الإنسان. فالإنسان يولد باستعداد عقلي وفطري، لكن هذا الاستعداد يحتاج إلى نمو وتغذية مستمرة، تمامًا كما تحتاج النبتة الصغيرة إلى الماء والضوء والعناية.
وغذاء العقل هو العلم والتفكر والحوار والمطالعة والتجربة.
فالإنسان الذي يقرأ ويسأل ويفكر ويناقش ويعيد النظر في أفكاره، يوسع آفاق عقله باستمرار. أما من يهمل هذه الأدوات، فقد يعيش سنوات طويلة دون أن تتطور طريقة تفكيره إلا قليلًا.
وقد شبّه بعضهم العقل بجهاز بالغ القدرة؛ لكنه لا ينتج شيئًا ذا قيمة إذا لم يُغذَّ بالمعلومات الصحيحة. وكذلك الإنسان: كلما كان ما يودعه في عقله أكثر عمقًا وثراءً، أصبحت رؤيته للحياة أكثر اتزانًا.
ولهذا قال أمير المؤمنين عليه السلام في تصنيف الناس: «الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح».
فالإنسان الذي لا يبني عقله بنفسه يصبح أكثر عرضة لأن يفكر الآخرون نيابة عنه، وأن ينتقل من رأي إلى آخر بحسب ما يسمع ويرى.
التفكر رياضة العقل
يكرر القرآن الكريم الدعوة إلى التفكير والتدبر، فيقول تعالى:
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾، ويقول: ﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾.
كما يصف المؤمنين بقوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
فالتفكر ليس نشاطًا هامشيًا، بل وسيلة لإيقاظ العقل وتوسيعه. وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام: «رحم الله امرأً تفكر فاعتبر، واعتبر فأبصر»، وقال أيضًا: «من تفكر أبصر».
والتفكير يشبه العدسة التي تجمع أشعة الشمس المتفرقة في نقطة واحدة فتضاعف قوتها. وكذلك العقل؛ حين تتوزع طاقته على مئات الأمور التافهة، يضعف أثره، أما حين يركز على قضية مهمة ويتأملها بعمق، فإنه يستطيع الوصول إلى نتائج لم تكن ظاهرة في البداية.
ماذا نمنح عقولنا؟
المشكلة أن الإنسان قد يستهلك طاقته العقلية كلها في أمور عابرة: متابعة التفاصيل الصغيرة، والانشغال الدائم بأخبار الآخرين، أو اللهو الذي لا يترك معرفة ولا تجربة ولا أثرًا.
ولا يعني ذلك أن الإنسان مطالب بأن يعيش جادًا طوال الوقت، لكن الفرق كبير بين الترفيه الذي يمنح العقل راحة وبين حياة يتحول فيها الترفيه إلى غاية، بينما تُهمَل القراءة والتأمل والتعلم.
فالإنسان يصبح إلى حد بعيد انعكاسًا لما يشغل به عقله. من يملأ ذهنه بالعلم والحكمة والأسئلة الكبرى، يتسع أفقه؛ ومن يستهلكه في الصغائر، تتضاءل بالتدريج قدرته على التفكير العميق.
ومن هنا فإن تنمية العقل ليست شأنًا خاصًا بالعلماء والمفكرين، بل مهمة يومية لكل إنسان يريد أن يعيش حياة أكثر وعيًا ونجاحًا.
اقرأ، واسأل، وناقش، وتأمل تجاربك، ولا تمر بالأحداث دون أن تستخرج منها معنى. فكل فكرة جديدة، وكل كتاب جيد، وكل تجربة نتأمل فيها، يمكن أن تضيف شيئًا إلى عقولنا.
إن الجمال الذي تمنحه الملابس يتغير، والجمال الذي تمنحه الملامح يتأثر بالسنوات، أما جمال العقل فإنه قادر على النمو طوال العمر. ولذلك، فإن أعظم استثمار يمكن للإنسان أن يقوم به هو أن ينمّي عقله؛ فكلما ازداد عقلًا ومعرفة وبصيرة، ازداد جمالًا وقيمة وأثرًا.




اضافةتعليق
التعليقات