الحمد لله.. كلمة تختصر رحلة الإنسان بين نعم لا تُحصى ولطف لا يُحد، هي ليست عبارة تقال على اللسان، بل هي نور يضيء القلب، ورأفة تسكن الروح، وسر يفتح أبواب الرضا والسكينة. حين يلهج المؤمن بالحمد فإنه يعترف بفضل الله في كل لحظة، ويحول حتى أبسط تفاصيل حياته إلى عبادة ومعنى، فما هو معنى الحمد؟
الحمد في اللغة: الثناء والمدح على الجميل الاختياري مع المحبة والتعظيم، وهي ضد الذم.
أما في الاصطلاح الشرعي: فهي الثناء على الله تعالى بذكر محاسنه وصفاته الكاملة وأفعاله الجميلة مع إظهار المحبة والخضوع له.
وعندما نفتح كتاب الله سبحانه وتعالى نجد أن أول آية في القرآن الكريم بعد البسملة بدأت بذكر الحمد في سورة الحمد، قال تعالى: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ))؛ ابتدأ الله سبحانه وتعالى بها في سورة الحمد المباركة في بداية كتابه العزيز، ومعنى ذلك التمجيد والتقديس والتعظيم لله سبحانه وتعالى والثناء عليه لكمال صفاته؛ لأنه رب جميع المخلوقات والمالك المتصرف بهم، والاعتراف برحمته الواسعة التي تدبر أمورهم وتفيض عليهم النعم.
وكثيراً ما نجد في أدعية أئمتنا (عليهم السلام) ابتداؤهم بالحمد لله عز وجل وذكر نعمه وأفضاله علينا، ابتداءً من أصغر دعاء إلى أطوله. ومن هذه الأدعية "دعاء الافتتاح" المروي عن الإمام علي بن الحسين (عليه السلام)، حيث جسد لنا هذا الدعاء أروع صور العبودية والتحميد والتمجيد، والخضوع والخشوع لله رب العالمين، وتعداد الكثير والكثير من نعم الله سبحانه وتعالى علينا.
فقال في مطلع الدعاء: (اللهم إني أفتتح الثناء بحمدك)، فافتتح دعاءه بحمد الله تعالى والثناء عليه؛ لأن الحمد أهم ما يكون عند البدء بالدعاء وهو سبب لاستجابة الله عز وجل لعبده المؤمن. واستمر إمامنا واسترسل في الدعاء والمناجاة ثم قال: (الحمد لله بجميع محامده كلها على جميع نعمه كلها)، وإذا نظرنا لهذا القول نظرة تأمل، نجد أنه صيغة مبالغة في الحمد والشكر لله تعالى، بمعنى أنك تحمد الله بكل أنواع الحمد التي يستحقها، على كل نعمة أنعم بها عليك سواء كنت تعرفها أو لا.
وقال أيضاً: (الحمد لله على حلمه بعد علمه، وعلى عفوه بعد قدرته وهو قادر على ما يريد)، ونرى هنا تعداداً لصفات الله عز وجل من الحلم بعباده والرحمة لهم والرأفة بهم، مع قدرته -إذا أراد- إلحاق العقوبة بهم، لكن صفاته الجمالية مثل المغفرة والرأفة والرحمة والحلم تحول بينه وبين إلحاق العقوبة بعباده؛ فنرى إمامنا يحمد الله تعالى ويثني عليه ويعدد صفاته الجمالية ويتوسل إليه بتلك الصفات.
وقوله أيضاً (عليه السلام): (الحمد لله مالك الملك، مجري الفلك، مسخر الرياح، فالق الإصباح)، وفي ذلك إبراز لنعم الله الهائلة والكثيرة والتي لا تعد ولا تحصى علينا، من النعم والأفضال التي ندركها أو لا ندركها، نستشعرها أو لا نستشعرها، فإن هذه النعم ليس لها حدود ولا قيود ولا مقدار ولا كمية، وإن عقول البشر قاصرة عن إدراكها.
إلى أن يقول (عليه السلام): (الحمد لله الذي يجيبني حين أناديه، ويستر عليّ كل عورة وأنا أعصيه)، وفي هذا تجسيد لمعنى العبودية الحقيقي، فيقول الإمام هنا: نعم الإله أنت يا رب، أنت الذي كلما دعوتك وناديتك رأيتُ إجابتك سريعة وكنتَ أهلاً لهذا النداء، ومع هذا كله ارتكبتُ الذنوب والمعاصي فسترتها عليّ وغفرتها لي، فما أعظمك يا رب من إله غفار ستار، فنعم الرب أنت. ويتكلم الإمام هنا عن واقع حالنا نحن في حياتنا، وإلا فأئمتنا كلهم معصومون ومنزهون عن الذنوب والمعاصي.
وفي نهاية المطاف أقول: "الحمد لله" ليست مجرد كلمات، بل هي حياة تُعاش بروح ممتنة وقلب يوقن أن كل ما يأتي من الله هو خير ورحمة؛ فلنجعل الحمد عادةً لا تفارق ألسنتنا، ورفيقاً لا يغيب عن قلوبنا، فهو مفتاح السعادة في الدنيا وسبب النجاة في الآخرة.



اضافةتعليق
التعليقات