• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

الميثاق الذي لم يُكتب: عبد الله الرضيع وولادة قانون الطفولة

زينب شاكر السماك / الأثنين 07 تموز 2025 / حقوق / 1602
شارك الموضوع :

كان عبد الله الرضيع طفلًا لا يحمل سيفًا ولا يهدد عرشًا، بل لم يعرف من الدنيا سوى حضن أمه

في الوقت الذي تحتفل فيه الأمم المتحدة سنويًا منذ عام 1989 باتفاقية حقوق الطفل، التي تنصّ على حق كل طفل في الحياة، والرعاية، والحماية من العنف، نجد أن هذه المبادئ قد رُسمت بدماء بريئة على أرض كربلاء قبل أكثر من ألف عام. يومها لم تُكتب نصوص، ولم تُعقد مؤتمرات، بل كانت الواقعة صامتة بصوت الصرخة، ناطقة بدم حنجرة عبد الله الرضيع، أصغر شهيد في معركة الطف، والتي مثّلت أحد أبشع أشكال انتهاك الطفولة في التاريخ.

كان عبد الله الرضيع طفلًا لا يحمل سيفًا ولا يهدد عرشًا، بل لم يعرف من الدنيا سوى حضن أمه، غير أنه رُفع على يدي أبيه الإمام الحسين (عليه السلام) أمام جموع الأعداء، طلبًا لقطرة ماء، لا أكثر. قال أبا عبد الله (عليه السلام): «إن لم ترحموني فارحموا هذا الطفل، أما ترونه كيف يتلظّى عطشًا؟». لم يكن هذا مجرد توسُّلا، بل كانت أول صرخة حقوقية تطالب بحدٍّ أدنى من الإنسانية تجاه الأطفال في زمنٍ تجرد من الرحمة. وبينما كانت اتفاقية حقوق الطفل الحديثة تنصّ في مادتها السادسة على أن "لكل طفل حق أصيل في الحياة"، اختارت السلطة الأموية أن تبدأ هزيمتها من انتهاك هذا الحق، فأجاب السهم المثلث بدلًا من الماء، واخترق عنق الطفل من الوريد إلى الوريد وهو بين يدي والده.

أبرز الإمام الحسين (عليه السلام) الطفل بين يديه إلى السماء بعد أن تلقاه مذبوحًا بين يديه، وكأنه يرفع شكواه إلى من بيده العدالة المطلقة. لم يكن ذلك المشهد مجرد فاجعة عاطفية، بل تجسيدًا عمليًا لفكرة أن حقوق الطفل لا تتعلق فقط بالعيش، بل بالحماية من كل شكل من أشكال العنف الممنهج، لا سيما إن كان مستهدفًا على أساس الهويّة الدينية أو السياسية. فمن ذا الذي يستطيع أن يبرّر استهداف رضيع لا يفقه من الدنيا إلا الرضاعة؟ أليست هذه أبشع صور انتهاك الطفولة؟

إن واقعة كربلاء من هذه الزاوية تُبرز جانبًا أخلاقيًا تشريعيًا سابقًا لعصره، ففي زمنٍ لم تكن فيه الدولة تراعي حتى كبار السن، كان الإمام الحسين (عليه السلام) يسعى إلى حماية أصغر أفراد أسرته من العطش والقتل، وهو ما يجعل منه رائدًا لفكر حقوق الطفل قبل أن يكون الفكر نفسه مولودًا في قاموس البشرية. ولعل استدعاء واقعة الطف اليوم، خصوصًا في ظل تزايد انتهاكات حقوق الأطفال حول العالم، هو بمثابة دعوة لتأسيس وعيٍ حقوقيّ أصيل، يستلهم من دم الرضيع فكرة أنّ الدفاع عن الأطفال لا ينبغي أن يكون رفاهية قانونية، بل هو واجب عقائدي وأخلاقي.

إننا حين نقرأ اليوم المواد الدولية مثل المادة 19 من اتفاقية حقوق الطفل، التي تنص على "حماية الطفل من كل أشكال العنف أو الضرر البدني أو العقلي"، نجد أنّ كربلاء وثّقت هذا الانتهاك بدم، لا بحبر. وبهذا المعنى، فإن الطف ليست قصة قديمة تُروى للبكاء فقط، بل قضية حيّة تصلح لتكون ميثاقًا أخلاقيًا عالميًا، يعيد إلى الضمير الإنساني توازنه في زمن الحروب والانتهاكات.

ولا يمكن الحديث عن هذه القضية دون الإشارة إلى ما أقرّه فقهاء المسلمين من تحريم قتل الطفل حتى في أقسى ظروف القتال. ففي الكافي عن الصادق (عليه السلام) قال: (كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أراد أن يبعث سرية، دعاهم فأجلسهم بين يديه، ثم يقول: سيروا بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله… لا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا صبياً، ولا امرأة، ولا تقلعوا شجراً، إلا أن تضطروا إليها، وأيما رجل من أدنى المسلمين أو أفضلهم نظر إلى رجل من المشركين، فهو جار حتى يسمع كلام الله، فإن تبعكم فأخوكم في الدين، وان أبى فأبلغوه مأمنه، واستعينوا بالله عليه) وهو ما يعبّر عن تشريع مبكّر لمبادئ القانون الإنساني الدولي الذي أصبح لاحقًا يُعرف بـ"قانون النزاعات المسلحة" أو "القانون الدولي الإنساني"، الذي يحرم استهداف المدنيين، لا سيما الأطفال.

في كربلاء، انتهكت هذه القواعد بشكلٍ سافر. فسيد الشهدء (عليه السلام) لم يحمل طفله ليشكو من العطش فقط، بل ليضع الأمة في اختبار ضميرها، فسقطت. أما الطفل، فقد ارتقى شهيدًا، ليصبح شاهدًا خالدًا على بربرية السلطان حين يفقد ضميره. ولذلك لا يمكن النظر إلى عبد الله الرضيع كرمز ديني فحسب، بل كنموذج عالمي يُذكّر بأن أول صرخة حقوقية في وجه الظلم، خرجت من صدر طفل مذبوح على يد من ادّعى الإسلام.

وهكذا، فإننا حين نتحدث عن حقوق الطفل في زمننا الحاضر، ينبغي أن نستحضر دموع كربلاء، لا لنبكي فقط، بل لنفهم أن حماية الطفولة ليست شأنًا قانونيًا عابرًا، بل مسؤولية حضارية وأخلاقية وثقافية. ومن هنا نرى أن الإمام الحسين (عليه السلام) بدم طفله، قد سطّر أول وثيقة حقوق إنسانية بمدادٍ من دم ونور، وهو ما يجعل من واقعة كربلاء مدرسة إنسانية قبل أن تكون فاجعة.

·       موقع الامام الشيرازي
·       موقع الامم المتحدة (حقوق الانسان)
·       موقع العتبة الحسينية المقدسة
عاشوراء
الامام الحسين
كربلاء
الطفل
القانون
الانسانية
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    التخطّي... حين نتعلّم أن نترك ما لا نستطيع تغييره

    التخطّي... حين نتعلّم أن نترك ما لا نستطيع تغييره

    الأربعاء 07 تشرين الاول 2026/
    أول يوم مدرسة.. حين تبدأ الحكاية قبل أن يرنّ الجرس

    أول يوم مدرسة.. حين تبدأ الحكاية قبل أن يرنّ الجرس

    الثلاثاء 29 ايلول 2026/
    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    الأرقام تتحدث... والأسرة تستغيث

    السبت 05 ايلول 2026/
    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    بين الأبوة الصامتة وغياب الأبناء… من كسر من؟

    الأحد 23 آب 2026/
    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    في ذكرى رحيل رسول الله… ماذا أبقينا من أثره في حياتنا؟

    السبت 15 آب 2026/
    غريبُ الغرباء... وأنيسُ النفوس

    غريبُ الغرباء... وأنيسُ النفوس

    الخميس 13 آب 2026/

    آخر الاضافات

    تحت شعار نقرأ لنرتقي.. جمعية المودة تقيم أمسية ثقافية بالذكرى العاشرة لتأسيس نادي أصدقاء الكتاب

    ظاهرة الكذب لدى الأطفال: جذورها النفسية وطرق العلاج

    أثر لغات الحب الخمس في تعزيز التطور الفكري والتعلم لدى الأطفال

    الذكاء الاصطناعي يتنبأ بفائزي نوبل 2026.. اتفاق في الطب والأدب وخلاف حول السلام

    التخطّي... حين نتعلّم أن نترك ما لا نستطيع تغييره

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    تقليل الأطعمة فائقة المعالجة قد يخفف أعراض الاكتئاب والقلق

    عمليات التجميل: هل يتغيّر الرضا بتغيّر الملامح؟

    آخر القراءات

    كيف نتعامل مع متقمص دور الضحية؟

    النشر : الثلاثاء 24 تشرين الثاني 2020
    اخر قراءة : منذ 47 دقيقة

    عمليات التجميل: هل يتغيّر الرضا بتغيّر الملامح؟

    النشر : الثلاثاء 06 تشرين الاول 2026
    اخر قراءة : منذ 47 دقيقة

    العواصف الترابية.. زائر الصيف الثقيل

    النشر : الأربعاء 18 آيار 2022
    اخر قراءة : منذ 48 دقيقة

    سجن ما بعد الصدمة وقضبان من الخلايا النجمية.. ماذا تفعل الذاكرة؟

    النشر : الثلاثاء 23 حزيران 2026
    اخر قراءة : منذ 48 دقيقة

    كلمات تبني الطفل.. حين يصبح الحب مسموعًا

    النشر : الثلاثاء 06 تشرين الاول 2026
    اخر قراءة : منذ 48 دقيقة

    اليوم الدولي لمنع استخدام البيئة في الحروب والصراعات العسكرية

    النشر : الأربعاء 07 تشرين الثاني 2018
    اخر قراءة : منذ 48 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1125 مشاهدات

    الأجهزة المحمولة تهدد بشرة الأطفال بـمتلازمة الجلد المحمص

    • 328 مشاهدات

    خيوط جديدة لفهم التصلب المتعدد.. فيروس كامن والتهاب مزمن في دائرة الاشتباه

    • 319 مشاهدات

    التمايز الذاتي: كيف نحمي أنفسنا من الاستنزاف العاطفي؟

    • 316 مشاهدات

    في اليوم العالمي للاعنف: من جراح الجسد إلى انكسار الروح

    • 314 مشاهدات

    أثر العدوان اللفظي في تربية الأطفال

    • 307 مشاهدات

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1125 مشاهدات

    لماذا تملّ القلوب؟ قراءة نفسية وتربوية في حكمة علوية

    • 778 مشاهدات

    العام الدراسي.. بين فرحة الأبناء وثقل المصاريف على الأسر

    • 638 مشاهدات

    أصداء : حين يرمم الأثرُ انكسارَ السند

    • 548 مشاهدات

    الاستعداد النفسي للولادة.. حين تكون الطمأنينة نصف الطريق إلى الأمومة

    • 542 مشاهدات

    سننظر: منهج البحث عن الحقيقة

    • 525 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    تحت شعار نقرأ لنرتقي.. جمعية المودة تقيم أمسية ثقافية بالذكرى العاشرة لتأسيس نادي أصدقاء الكتاب
    • منذ 20 ساعة
    ظاهرة الكذب لدى الأطفال: جذورها النفسية وطرق العلاج
    • منذ 20 ساعة
    أثر لغات الحب الخمس في تعزيز التطور الفكري والتعلم لدى الأطفال
    • منذ 20 ساعة
    الذكاء الاصطناعي يتنبأ بفائزي نوبل 2026.. اتفاق في الطب والأدب وخلاف حول السلام
    • منذ 20 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة