لم تكن مجرد امرأةٍ مرّت على صفحات التاريخ، بل كانت المعنى الذي لولاه لظلَّ التاريخُ أبكمٌ لا يُفصح..
هي التي أعادت صياغة الوجود بوقار محرابِها فلم يكن سجودُها انحناءً عابراً، بل عروجاً ترتقي به الدنيا نحو السماء، سيّدةُ التي جعلت من 'ثباتها' مِحوراً يستندُ إليه الحقُّ حين تترنحُ الصفوف، فهي التي علّمت الأجيال أنَّ قيمةَ الإنسانِ تُقاسُ بما يمنحُه للوجودِ من طهر، لا بما يكتنزُه من ماديةٍ زائلة. وجعلت من صبرِها ميزاناً لا يميل، وإن مالت بها الأزمنة.
هي النور الذي لم يَحتج إلى مشكاة، نورٌ تفرّد بخصائص الضياء؛ فلا العتمة تجرؤ على ملامسة أطراف ردائها، ولا الصمت في حضرتِها إلا تبجيلاً .
لسنا نبحث عنها في صدى الحكايات فحسب، بل نلمس هيبتَها في ثبات المبادئ التي لا تُساوَم، وفي شموخ الأرواح التي لا تنحني لغير خالقِها، هي سرّ البيان الذي يبدأ باسمها، واليقين الذي تنتهي عنده حيرة السائلين. حين نذكرها لا نؤرّخ لغائب، بل نلوذ بظلّ حضورٍ ممتد، حضورٍ يُرمّم ما تهدّم من أحلامِنا، وتخبرُنا أنَّ البابَ الذي عُصرت خلفه.. لا يزالُ المنبعَ الذي يُسقىٰ منهُ الأحرارُ معنى الخلود.
لتُعلِم الوجود أن الطهر أصلُه أنثى، سيّدةٌ لم تنحنِ للريح حين عصفت، بل حوّلت انكسارَها إلى قوة، وجعلت من ألمِها قوساً تُرمى به سهام الحق في وجه الزمن الأعمى. هي النور الذي لا يستمد إشراقَه من خارج ذاتِه، بل يفيض من جوهرٍ متصل بالسماء.
لقد قدّمت السيدة الزهراء (عليها السلام) معادلةً فريدة في فهم “القوّة”. ففي وقتٍ يظنُّ فيه الكثيرون أنَّ التأثيرَ يحتاجُ إلى سلطةٍ مادية، جاءت هي لتبني سلطتَها في القلوبِ عبرَ "الزهدِ الواعي ومن هنا يبدأ استلهامُنا الحقيقي: أن ندرك أن “الكوثر” ذلك العطاءُ الذي لا ينضبُ لأنه متصلٌ بمصدرِ السماء، ليس كثرة عدد بل في 'البركةِ' التي يتركُها الموقفُ الصادقُ في ضميرِ الأيام."
علّمتنا أن القيمة لا تُقاس بما نملك، بل بما نتركه من أثرٍ نقي في وجدان الحياة.
وما نأخذه من هذه المدرسة هو تربية الإرادة وصياغة المعنى، لم تكن تعيش لنفسها، بل كانت مركز إشعاعٍ يمتد أثرُه إلى البيت والمجتمع.
نستلهم منها أن دور المرأة يتجاوز الصورة الضيقة، ليكون حراسةً للقيم وصناعةً للوعي فهي التي رسّخت أن الإنسان يُقاس بما يمنحُه للوجود من طهر، لا بما يختزنه من مادّة زائلة. وهنا تتجلّى العبرة الأعمق: تحويل المعاناة الشخصية إلى رسالة إنسانية تتخطّى حدود الزمان والمكان.
وفي ملكوتِها نكتشف أن الصمت حين يكون لله، يغدو أبلغ من الخطب، لقد كان حزنُها عليها السلام احتجاجاً، وبكاؤُها بياناً، وغموض موضع قبرِها سؤالاً مفتوحاً يوقظ وعي البشرية جيلاً بعد جيل، تلك هي الحقيقة التي لا تُمحى: أن يكون للإنسان أثرٌ يتجاوز حضورَه، وأن يتحوّل غيابُه إلى حضورٍ أشد رسوخاً.
وإن الفيضُ الذي نستقيه من التي تلوحُ لنا من خلفِ حجاب الزمن، أنَّ كلَّ بابٍ يُغلق في وجه أهل الحق، يفتح في المقابل درباً أعمق نحو الخلود لذلك، حين نلوذ بظلّها، لا نفتّش عن ذكرى، بل نلجأ إلى شفاعة واعية تعيد ترميم ما تصدّع في داخلِنا، وتذكّرنا بأن النور الكامن في أرواحِنا لا يحتاج إلى مصدر خارجي، بل إلى قلبٍ صادق في توجّهه، يشبه قلبَها في صفائه واتصاله بالله، فإنّها ليست سيرةً تُروى، بل طريقٌ يُسلك، فطوبى لِمَن لم يكتفِ بحبّها، بل جعل من روحه مرآةً تعكس شيئاً من نورها...


اضافةتعليق
التعليقات