• الرئيسية
  • كل المواضيع
  • الاتصال بنا
facebook twitter instagram telegram
بشرى حياة
☰
  • اسلاميات
  • حقوق
  • علاقات زوجية
  • تطوير
  • ثقافة
  • اعلام
  • منوعات
  • صحة وعلوم
  • تربية
  • خواطر

الفِراق المكاني: حين تُجبر الروح على الرحيل

نور كريم / الأربعاء 30 تموز 2025 / تطوير / 1482
شارك الموضوع :

في كل بيت من بيوت المدينة، بعد عودة قافلة السبايا، هناك مأساة صامتة، لا حاجة للحديث، فالأبواب تُفتح على بكاء

حين يُنزعُ الإنسان من المكان الذي غَرس فيه نبضه، وصارت دموعه لغة يومية، والأنين طقسًا من طقوس العشق ، فالأرض التي تضم أحبابنا لا تكون مجرّد تراب، بل تتحوّل إلى جزء من الروح، لا يُنتزع دون ألم ، وما أن ينتهي وقت اللقاء ونُجبر على مغادرة الأرض التي شهدت آخر نظراتهم، آخر كلماتهم، حيث خُطّت المأساة على الرمال، واختلطت الدموع بالدماء، والوداع بالصلاة ، فلا تزال آثار الخطى محفورة، وصدى الصيحات باقٍ، وأرواح الشهداء تحوم كأنها لم تغادر، يقال لك: "عليكِ أن ترحلي".

ذلك ما واجهته نسوة الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ ، حين جاء الأمر بالعودة إلى المدينة ،  التي خرجنَ منها برفقة الأحبة، وعُدن إليها مُثقلات بالفقد، مُحمّلات بالحكايات، بلا ملامح الفرح، ذلك الرحيل لم يكن انتقالًا بين مكانين، بل "فِراقًا مكانيًا" ممزوجًا بوجعٍ يتجاوز حدود الجغرافيا، إلى حيث يسكن القلب والوجدان والذاكرة، فليست كل أنواع الفِراق سواء. فهناك فِراق لا تودّع فيه الأحباب بأيدٍ مرتجفة، بل تتركهم وهم مستقرون في ترابهم، تحرسهم السماء، وتُظلهم الدعوات والدموع ، حين تُنتزع الروح من مكان ألفته، من رائحة مَن تحب، و خطواتهم، و آثارهم، لتُجبر على العودة فيما القلب مُعلّق في أرض الفقد.

لقد عبرت نسوة الطف مرحلة لم تعبرها أي امرأة في التاريخ ، وعشنَ الوجع فرديًا وجماعيًا، و واجهنه بصبر الصالحات، لكنّهن يحملن في صدورهن نارًا لا تنطفئ. نارًا من الحنين، من الأسى، من سؤالٍ لا إجابة له: كيف يمكن أن نترك من نحب في أرض الغربة، ونعود؟

في كل بيت من بيوت المدينة، بعد عودة قافلة السبايا، هناك مأساة صامتة، لا حاجة للحديث، فالأبواب تُفتح على بكاء، والعيون تغلق على خيال الراحلين، لم تكن المدينة ذاتها، ولم تكن النساء ذاتهنَ لقد تغيّر كل شيء.

والفِراق المكاني هنا ليس مجرّد فراق للأرض، بل فراق الذات القديمة. فمَن تعود من كربلاء، لا تعود منها كما خرجت. كلّ واحدة من تلك النسوة كانت تحمل في داخلها "كربلاءها" الخاصة، كربلاء الأم، والأخت، والزوجة، والطفلة، والسيدة النبيلة التي أصبحت حاملة رسالة الشهادة.

إنه فِراق متعدد الطبقات، فقدٌ جسدي، واغترابٌ روحي، ومحنة جماعية تُشكل ما نُسميه بـ"الوعي الجمعي النسوي" الذي لا يُكتب في الكتب، بل يُحفظ في دموع الأمهات ووصايا الجدات، ويتوارثه النساء في طيات العزاء والزيارة، وفي الحنين المتجدد كل محرم ، ولعل أعظم تجليات هذا الفِراق هو ما أظهرته السيدة زينب ـ عليها السلام ـ من ثبات رغم الانكسار، ومن قوة رغم الحزن. كانت تجسّد صورة المرأة التي لا تستسلم، والتي تنقل المأساة إلى رسالة، والحزن إلى هدف، والفِراق إلى عهد لا ينكسر.

وما أشبه ذلك الفِراق المكاني بما تعيشه الكثير من النساء في زمننا هذا، نساء يُجبرن على مغادرة أوطانهن، قبور آبائهن، ذكرياتهن، رغماً عنهن. فيحملن ذاكرتهن معهن، ويمضين في الحياة بخطى لا تخلو من الأسى.

إن هذا النوع من الفِراق يعكس وواقعنا، وما نحمله في داخلنا من صراعات بين التعلّق بالمكان، وضرورة الانفصال عنه. فعلينا أن نتذكّر أن القوة لا تعني غياب الحزن، بل الحزن المجبول بالإيمان، والممزوج بالعطاء ، وعلى هذا يبقى الفِراق المكاني من أكثر التجارب وجعًا، لأنه لا يترك لك خيارًا. يُرغمك على الرحيل، بينما قلبك متشبث بما كان. وقد علمتنا نساء الطف، أن هذا الفِراق قد يكون بداية رسالة، لا نهاية قصة.

اهل البيت
الوطن
الانسان
السيدة زينب
الروح
الحزن
شارك الموضوع :

اضافةتعليق

    تمت الاضافة بنجاح

    التعليقات

    آخر الإضافات للكاتب (ة):

    الشفق والبداياتٍ جديدة.. وصيّة الضوء للأفق

    الشفق والبداياتٍ جديدة.. وصيّة الضوء للأفق

    الأحد 12 نيسان 2026/
    على دروب العشق نلتقي.. فكلّها تؤدّي إلى الحسين

    على دروب العشق نلتقي.. فكلّها تؤدّي إلى الحسين

    الثلاثاء 19 آب 2025/

    آخر الاضافات

    حين يصبح التضليل دستورًا

    حين نتصالح مع الماضي تبدأ الحياة

    كيف تواجه حالات الشك والريب في نفسك؟

    الزنجبيل في موسم البرد.. فوائد صحية تتجاوز تهدئة الحلق والمعدة

    قراءة في كتاب: أبي الذي أكره

    في أكتوبر الوردي… الوعي خطوة نحو الحياة

    حين يعرف المستشار الخطة ويجهل المؤسسة!

    جهاز مبتكر لتنظيف الأسنان دون فرشاة.. هل تنتهي الطريقة التقليدية؟

    آخر القراءات

    أخصائيون يحددون أفضل نظام غذائي في 2019

    النشر : الثلاثاء 15 كانون الثاني 2019
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    ما هما العنصران الصديقان للعظام؟

    النشر : الأحد 17 كانون الأول 2023
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    النفس البشرية وطبيعتها

    النشر : الخميس 19 كانون الثاني 2023
    اخر قراءة : منذ 54 دقيقة

    فتاة تونسية تطلب مهرها كتباً!

    النشر : الثلاثاء 13 كانون الأول 2016
    اخر قراءة : منذ 55 دقيقة

    المرأة والحرب الناعمة

    النشر : الأحد 20 آذار 2016
    اخر قراءة : منذ 55 دقيقة

    البطاطا محبوبة الملايين.. طعام صحي أم عبء غذائي؟

    النشر : الأربعاء 03 ايلول 2025
    اخر قراءة : منذ 55 دقيقة

    الأكثر قراءة

    • اسبوع
    • شهر

    في أكتوبر الوردي… الوعي خطوة نحو الحياة

    • 579 مشاهدات

    من ينقذ المسعف؟

    • 508 مشاهدات

    التضخم والصحة النفسية للشباب.. حين يتحول غلاء المعيشة إلى ضغط نفسي مزمن

    • 398 مشاهدات

    دليل اللقاحات الموسمية لمواجهة الفيروسات التنفسية: التوصيات والفئات المستهدفة

    • 352 مشاهدات

    حين يصبح التضليل دستورًا

    • 345 مشاهدات

    حين تفسد البيئة: العقل بوصفه وسيلة للنجاة

    • 323 مشاهدات

    الفضاء الرقمي وسؤال الأثر: بين الانسياق العابر وتصنيع القيمة

    • 1174 مشاهدات

    لماذا تملّ القلوب؟ قراءة نفسية وتربوية في حكمة علوية

    • 814 مشاهدات

    الاستعداد النفسي للولادة.. حين تكون الطمأنينة نصف الطريق إلى الأمومة

    • 626 مشاهدات

    أصداء : حين يرمم الأثرُ انكسارَ السند

    • 580 مشاهدات

    في أكتوبر الوردي… الوعي خطوة نحو الحياة

    • 579 مشاهدات

    سننظر: منهج البحث عن الحقيقة

    • 551 مشاهدات

    facebook

    Tweets
    صفحة للمرآة العربية تهتم بالفكر والثقافة والصحة والعلم

    الأبواب

    • اسلاميات
    • حقوق
    • علاقات زوجية
    • تطوير
    • ثقافة
    • اعلام
    • منوعات
    • صحة وعلوم
    • تربية
    • خواطر

    اهم المواضيع

    حين يصبح التضليل دستورًا
    • منذ 19 ساعة
    حين نتصالح مع الماضي تبدأ الحياة
    • منذ 19 ساعة
    كيف تواجه حالات الشك والريب في نفسك؟
    • منذ 19 ساعة
    الزنجبيل في موسم البرد.. فوائد صحية تتجاوز تهدئة الحلق والمعدة
    • منذ 19 ساعة

    0

    المشاهدات

    0

    المواضيع

    اخر الاضافات
    راسلونا
    Copyrights © 1999 All Rights Reserved by annabaa @ 2026
    2026 @ بشرى حياة