في رحاب جلسة مشكاة التي تقيمها جمعية المودة والازدهار للتنمية النسوية أسبوعياً، تتجدد معاني التباحث العلمي حيث نلتقي على مائدةٍ من نور التراث الأصيل، نستضيء فيها بأحاديث أصول الكافي ونرتشف من معين جامع السعادات، هذه الجلسة ليست مجرد قراءةٍ للنصوص بل مسعى واعٍ لفهمٍ أعمق، وتأملٍ أدق، وسلوكٍ يتكامل فيه العلم مع العمل.
نقارب النصوص بروح الباحث ونحاورها بعقل المتأمل، فنستكشف أبعادها المعرفية والأخلاقية، ونربط بين تراث الأئمة (عليهم السلام) والبناء الروحي للإنسان، في هذا الإطار يأتي درسنا ليكشف جانبًا من سيرة العلماء وكيف تبلورت شخصياتهم في خضم التحديات الفكرية والروحية ليكونوا مشاعل هداية في مسيرة الأمة.
إن مشكاة ليست جلسة علم فقط إنما تجربة فكرية وروحية تُصاغ فيها الأسئلة بوعي، وتُستولد منها معانٍ تفتح آفاق الفهم وتقرّبنا خطوةً نحو الحكمة التي هي ضالة المؤمن.
وفي الجلسة الأولى تباحثنا عن شخصية المؤلف لكتاب جامع السعادات وتفاصيل رحلته في التأليف:
أولًا: شخصيته ومكانته
الشيخ المولى محمد مهدي النراقي من كبار المجتهدين في القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين، يُعد في الدرجة الثانية أو الثالثة من مشاهير علماء عصره، كان عصاميًا ولم يُعرف عن والده أبي ذر إلا أنه موظف بسيط في قرية نراق ومن أبرز أسباب شهرته ابنه المولى أحمد النراقي (ت 1244هـ) صاحب كتاب مستند الشيعة وأحد كبار علماء القرن الثالث عشر، وقد كان أحمد النراقي من أساتذة الشيخ المولى مرتضى الأنصاري (ت 1281هـ).
ثانيًا: مؤلفاته ومقارنة بينه وبين ابنه
ألّف الأب عددًا من الكتب المهمة منها (معتمد الشيعة في الفقه، جامع السعادات في الأخلاق، مشكلات العلوم) أما الابن فقد ألّف (مستند الشيعة في الفقه، معراج السعادة بالفارسية في الأخلاق، كتاب الخزائن) وقد سار الابن على نهج والده في التأليف وأحكم النسج على منواله.
ثالثًا: مولده ووفاته
وُلد في قرية نراق قرب كاشان في إيران ولم يُذكر تاريخ دقيق لمولده وهناك اختلاف في تقديره، وبحسب بعض التقديرات وُلد نحو سنة 1128هـ تقريبًا بينما يذكر مصدر آخر سنة 1146هـ، وهو قول غير منسجم مع مدة دراسته توفي سنة 1209هـ في النجف الأشرف ودُفن فيها، وقُدّر عمره بين 63 و81 سنة بحسب اختلاف الروايات.
رابعًا: نشأته العلمية
بدأ طلب العلم في أصفهان، وكان من أبرز أساتذته المولى إسماعيل الخاجوئي الذي لازمه نحو ثلاثين سنة وكذلك الشيخ محمد زمان والشيخ محمد مهدي الهرندي، ثم انتقل إلى كربلاء والنجف ودرس على الوحيد البهبهاني الذي كان أعظم أساتذته، وعلى الشيخ يوسف البحراني، والشيخ مهدي الفتوني وقد بلغ مجموع أساتذته سبعة سماهم ابنه بالكواكب السبعة.
خامسًا: نشاطه العلمي
بعد إكمال دراسته عاد إلى كاشان وأسس فيها مركزًا علميًا، فأصبحت بفضله مركزًا علميًا بعد أن كانت خالية من النشاط العلمي، ثم عاد إلى العراق لاحقًا وتوفي في النجف أثناء زيارة المشاهد المقدسة.
سادسًا: عصره والبيئة الفكرية
شهد القرن الثاني عشر الهجري انتشار النزعة الصوفية والمغالاة، وسيطرة النزعة الإخبارية في الحوزات العلمية، خاصة في كربلاء مع ضعف النشاط الأصولي في معظم القرن، في أواخره برز الشيخ مهدي الفتوني والوحيد البهبهاني الذي أحدث تحولًا علميًا مهمًا في منهج البحث والتحقيق.
المشكلات التي عاصرها المؤلف
أولًا: أسباب الفتور العلمي في القرن الثاني عشر الهجري
شهد القرن الثاني عشر ضعفًا عامًا في الحركة العلمية، وكان من أبرز أسبابه التفكك السياسي واضطراب الأمن والحروب بين الدولة الإيرانية والعثمانية، وبين الإيرانية والأفغانية مع صبغة مذهبية للحروب زادت الانقسام مما أدى ذلك إلى ضعف ارتباط العلماء بالحياة العامة وانتشار الزهد السلبي واليأس من الإصلاح، وظهور نزعتين بارزتين هما التصوف المغالي والإخبارية.
ثانيًا: نشوء النزعة الصوفية
نشأت النزعة الصوفية كرد فعل على الاضطراب السياسي والاجتماعي، وتأثرت بالفلسفة الإشراقية خصوصًا تراث صدر الدين الشيرازي كما دعمتها السلطة الصفوية في إيران التي قامت أصلًا على أساس صوفي واتجهت بعض الفرق إلى الغلو والمبالغة في المفاهيم الروحية.
ثالثًا: نشوء النزعة الإخبارية وتطورها
قامت النزعة الإخبارية على رفض الاعتماد على العقل والاقتصار على الأخبار والروايات والجمود على ظواهر النصوص وإنكار الاجتهاد والتقليد والطعن في علم الأصول، وكان من أوائل دعاتها المولى أمين الدين الاسترابادي وأبرز ممثليها المتأخرين الشيخ يوسف البحراني صاحب الحدائق وقد كادت هذه النزعة أن تسيطر على الحوزات العلمية خاصة في كربلاء.
رابعًا: دور الوحيد البهبهاني في مواجهة الإخبارية
تصدى الوحيد البهبهاني لهذه النزعة بقوة عبر مؤلفاته ومناظراته الشفوية ودروسه العلمية وأحدث تطورًا مهمًا في علم الأصول مما أدى إلى انكماش الإخبارية في عصره وكان من أبرز تلامذته بحر العلوم، وكاشف الغطاء، والمحقق القمي، والشيخ محمد مهدي النراقي.
خامسًا: موقع النراقي في هذه المعارك الفكرية
عاش النراقي في قلب صراعين:
الأول: بين الأصوليين والإخباريين في كربلاء، والثاني مع النزعة الصوفية المغالية في أصفهان وكان من قادة المواجهة عبر التدريس والتأليف، وتميز بتنوع معارفه في الفقه والأصول والفلسفة والرياضيات مثل الهندسة والحساب والهيئة.
سادسًا: كتاب جامع السعادات وأهميته
تأثر كتاب جامع السعادات بالفلسفة الإشراقية في بنائه العلمي وفي الوقت نفسه حارب التصوف المغالي بصورة غير مباشرة واعتمد على الأحاديث النبوية وتراث أهل البيت، وامتاز عن كتاب إحياء علوم الدين بأنه لم يُبنَ على الروح الصوفية أساسًا ويُعد من أوائل الكتب الأخلاقية الإمامية المبنية على منهج فلسفي علمي بعد ابن مسكويه والمولى محسن الفيض.
سابعًا: ملامح شخصيته
اتسمت شخصية النراقي بقوة الإرادة والصبر الاستثنائي وعزة النفس والكرامة والتفاني الكامل في طلب العلم، ومن المواقف الدالة على شخصيته أنه عانى من شدة الفقر أثناء الدراسة فكان يطالع في مراحيض المدرسة ليستفيد من نور السراج، وكان يُخفي فقره حفاظًا على كرامته ورفض الهدايا بدافع العزة إذ أعاد لباسًا أُهدي إليه لأنه شعر بانتقاص كرامته وكان منقطعًا تمامًا للعلم، فلا يفتح الرسائل الواردة إليه حتى لا ينشغل حتى إنه لم يعلم بمقتل والده بسبب امتناعه عن فتح الرسائل.
ختامًا؛ الشيخ محمد مهدي النراقي عالم موسوعي وقائد فكري في مواجهة التصوف المغالي والإخبارية ومجدد في علم الأخلاق على أساس فلسفي شرعي وصاحب شخصية قوية نادرة جمعت بين الزهد والعزة والإرادة الصلبة.








اضافةتعليق
التعليقات