يُعد اليوم العالمي للضمير دعوة أخلاقية تهدف إلى إيقاظ الروح الإنسانية في عالم تملؤه النزاعات المريرة التي تعيشها منطقتنا. اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 5 نيسان/أبريل من كل عام ليكون اليوم العالمي للضمير، والهدف منه تعزيز ثقافة السلام مع المحبة والوعي. جاءت المبادرة بناءً على مقترح من مملكة البحرين والاتحاد الدولي للسلام والمحبة لتحفيز الأفراد والمجتمعات على تحكيم ضمائرهم في التعامل مع الآخرين، ورفض العنف، وتحقيق التنمية المستدامة من خلال التسامح والعدل.
شعار عام 2026 يركز عادةً على (تعزيز ثقافة السلام بالحب والضمير)، إذ تكمن الفجوة المؤلمة من الناحية القانونية والبروتوكولية في كونه مجرد تسمية أو مناسبة رمزية تُقام فيها المؤتمرات وتُلقى الخطابات. أما في الواقع الميداني، فالضمير العالمي اليوم يعاني من حالة موت سريري أو انتقائية واضحة؛ لأن القوى العظمى التي صاغت هذه القوانين غالباً ما تكون هي أول من يتجاوزها عندما تتعارض مع مصالحها الجيوسياسية، مما يجعل اليوم مجرد حبر على ورق بالنسبة للحشود التي تعيش تحت نيران الحروب.
عند الحديث عن ضحايا الحرب الحالية، يتحول يوم الضمير من احتفالية إلى أداة للإدانة؛ لأن الضمير ليس مجرد شعور، بل هو القدرة على التمييز بين الحق والباطل. وهنا يظهر الخلل في المنظومة الدولية كما نراه واضحاً في فلسطين التي تمثل الاختبار الأكبر للضمير الإنساني. إن استمرار الاحتلال واستهداف المدنيين، وسط صمت أو دعم من دول كبرى، يكشف أن الضمير الدولي مصاب بازدواجية المعايير؛ فبينما تُحرك الجيوش والقوانين في مناطق أخرى، يُترك الفلسطيني لمواجهة آلة الحرب وحيداً، كما عانى العراق لعقود من تدخلات خارجية مثل الغزو الأمريكي الذي هدم البنى التحتية ومزق النسيج الاجتماعي.
رفض الازدواجية
إذ لا يمكن الاحتفال بالضمير بينما يتم تبرير قتل المدنيين في غزة أو إيران أو لبنان بحجة الدفاع عن النفس أو تدمير دول بحجة نشر الديمقراطية، فالضمير الحي يطالب بمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب بغض النظر عن هويتهم أو نفوذهم. والتضامن الشعبي؛ بما أن ضمير الأنظمة غالباً ما يكون معطلاً، فإن المراهنة تكون على ضمير الشعوب التي تخرج في الميادين لرفض الظلم والاستعمار في ظل الأوضاع الحالية، هو صرخة احتجاج أكثر من كونه مناسبة للاحتفال، وهو تذكير بأن السلام لن يتحقق طالما أن ميزان العدل يميل لصالح القوة على حساب الحق. وكذلك يمكن الإشارة لمدى الظلم الحاصل على مدرسة الشجرة الطيبة في مدينة ميناب الإيرانية، والذي يمثل التجسيد الحي لمأساة موت الضمير العالمي، بينما تُرفع شعارات السلام والمحبة في أروقة الأمم المتحدة، كانت الصواريخ تمزق أجساد الطالبات الصغيرات؛ فهو لم يكن مجرد خطأ تقني، بل كان استهدافاً دموياً هز الأركان، وأسفر القصف عن مقتل أكثر من 110 طفلة و60 معلمة، وتشير بعض التقارير إلى وصول العدد لأكثر من 200 مع المفقودين تحت الأنقاض.
عندما نضع شعار اليوم العالمي للضمير أمام أشلاء أطفال مدرسة ميناب أو أطفال غزة، والأبرياء من ضحايا الحروب في لبنان وإيران وفلسطين، تظهر الحقائق التالية:
انتقائية الضمير: الذي أسس هذا اليوم يبدو أنه لا يرى إلا بعين واحدة، فالقصف الذي استهدف المدرسة جاء ضمن عملية عسكرية مشتركة (أمريكية-إسرائيلية) تحت مسميات مثل الغضب الملحمي أو زئير الأسد، حيث تم تبرير قتل الأطفال بذريعة وجود مراكز عسكرية قريبة، وهي الحجة ذاتها التي تُستخدم يومياً في فلسطين لتدمير المدارس والمستشفيات.
ازدواجية المعايير: اليوم العالمي للضمير يدعو إلى رفض العنف، لكن الدول الكبرى مثل أمريكا التي تدعم هذه القرارات هي ذاتها التي تمد إسرائيل بالقنابل التي تقتل الأطفال في غزة ولبنان، وهي التي نفذت الهجوم على ميناب في إيران. إن هذا التناقض يجعل الضمير مجرد أداة سياسية وليس قيمة أخلاقية.
إن دماء الطفلة نيلا الناجية من مدرسة ميناب التي فقدت أمها وأخاها، وصراخ أطفال غزة تحت الأنقاض، هي الاختبار الحقيقي لضمير العالم:
الضمير الميت: هو الذي يصمت أمام قصف مدرسة للبنات بالصواريخ الذكية التي تدعي الدقة.
الضمير المستيقظ: هو الذي يربط بين مأساة العراق (الذي دُمّر بذريعة أسلحة الدمار الشامل)، وفلسطين (التي تُباد بذريعة الحق في الدفاع)، وإيران (التي يُقصف أطفالها بذريعة البرنامج النووي).
إن اليوم العالمي للضمير في عام 2026 هو يوم للحداد وليس للاحتفال، وهذا الحداد مستمر. باستمرار الإفلات من العقاب للقوى المستبدة يجعل من هذه التسميات الأممية سخرية من آلام الضحايا. الضمير الحقيقي هو الذي يرفض أن تكون دماء أطفال الشرق الأوسط وقوداً لانتخابات أو صراعات نفوذ دولية.








اضافةتعليق
التعليقات