تبهرنا الكلمات أحياناً، تشحننا بطاقة دافقة، وتدفعنا لنعيش وهم السكينة في غمار أنفسٍ نتوهم ثقتها، نظن أن ثمة شخصاً يغدق علينا حباً يملأ قاربنا، لكننا نكتشف متأخرين أنها "بضاعة مزجاة" رخيصة الثمن، لم تكن إلا طعماً ليغتنم المتلاعب فرصاً أكبر لبيع أوهامه.
إن القارب الذي لا يملك مجاديف صلبة تقوى على تلقي ضربات الأمواج، لا يصلح للمجازفة على سطح بحر غادر؛ وهنا لا أعني البحر الذي تلاطمه المياه، بل أعني "الجسد" الذي يحتوي "النفس الغادرة".
فخ "الاستغراق" في الكلمات
هل سمعتم يوماً عن الغارق الذي "استغرق فغرق"؟ هكذا نحن؛ نتشبث بالكلمات ونصنع منها جسراً واهياً للعبور إلى الضفة الأخرى، نحاول في وسط الموج الهائم، نسقط ونعيد الكرة، ثم يجرُفنا التيار، فنندفع بكل ما أوتينا من قوة مستعينين بـ "قارب الكلمات"، نستحضر كل عبارة تشعرنا بالقوة وتشحننا بالإيجابية، لكن دون جدوى.. لماذا؟
لأنك استعنت بكلمات غارقة أصلاً؛ كلمات لحظية انتهى مفعولها بانقضاء وقتها، قد تتساءلون: "هل للكلمات تاريخ انتهاء؟"
أقول لكم: نعم، إن لبعض الكلمات تاريخ صلاحية وجيزاً، قد تنتهي بعد ساعة واحدة من حَقنها، هي مفعول مؤقت، كجرعة "باراسيتامول" تسكن ألم شقيقة ينخر الرأس، لكنها لا تعالج أصل العلة، هكذا هي كلماتهم: آنية، استغلالية، ومنفعية، لقد أراد الغارق انتشال نفسه، لكنه استخدم "الورقة الخاطئة".
التشخيص النفسي: لماذا نسقط في الفخ؟
ما نعيشه من صراعات ليس مجرد أوهام، بل هو واقع رصده علماء النفس ووضعوه تحت مسميات دقيقة تفكك شيفرة هذا الخداع:
الإيجابية السامة (Toxic Positivity): تشير عالمة النفس "ويتني غودمان" في كتابها إلى أن الكلمات التحفيزية السطحية في وجه الأزمات العميقة تعمل كـ "مخدر مؤقت"، هي لا تعالج الجرح، بل تفصلك عن واقعك، حين يستخدم الآخرون كلمات "رخيصة" ليقنعوك بأن كل شيء بخير، هم في الحقيقة يمارسون نوعاً من "الإسكات القسري" لمشاعرك الحقيقية.
التلاعب العاطفي وقصف الحب (Love Bombing): توضح الدكتورة "رماني دورفاسولا" كيف تتحول الكلمات إلى سلاح للسيطرة، وهو ما أسميناه "البضاعة المزجاة" يشبه ظاهرة "قصف الحب"، حيث يغرق المتلاعب ضحيته بالمديح والوعود الزائفة تمهيداً للاستغلال.
الاعتمادية العاطفية (Codependency): كما بينت "ميلودي بيتي"، نحن نتمسك بـ "قارب الكلمات" المتهالك لأننا ربطنا قيمتنا الذاتية برضا الآخرين، مما يجعلنا ننتظر طوق نجاة من الشخص الخطأ.
كيف تبني مجاديف صالحة؟
الحل لا يكمن في اعتزال الكلمات، بل في تغيير "مصدر" الطاقة وتطوير "فلتر" للصدق، إليك كيف ترمم قاربك:
بناء المرونة النفسية: بدلاً من حقن "باراسيتامول" الكلمات، واجه الحقيقة بشجاعة، قل لنفسك: "أنا الآن في وسط الموج، والكلمات لن تنقذني، بل أفعالي وخططي المدروسة هي التي ستفعل".
معيار "تطابق القول والعمل": ذكر في علم النفس الإنساني لـ "كارل روجرز"، يعتبر التطابق هو أساس الصحة النفسية، أي كلمة لا يتبعها فعل ملموس خلال 48 ساعة هي بضاعة رخيصة؛ فلا تسمح للكلمات ببناء جسور في خيالك ما لم تكن قواعدها مغروسة في أرض الواقع.
الاستغناء النفسي: تعلم كيف تشحن قاربك من الداخل، دوّن "حقائقك" لا "أوهامك"، ما هي قدراتك الفعلية؟ ما الذي أنجزته بجهدك؟ عندما تكتفي ذاتياً، ستصبح كلمات الآخرين "إضافات" تجميلية، وليست "أطواق نجاة" ضرورية.
التمييز الواعي: الكلمة الصادقة تمنحك شعوراً بالمسؤولية والهدوء، بينما الكلمة الاستغلالية تمنحك نشوة مؤقتة يتبعها قلق أو إحساس "بالدَّين" تجاه الآخر.
خلاصة قولنا إن الكلمات التي لها تاريخ انتهاء هي تلك التي كُتبت بماء السراب، أما الكلمات الباقية فهي التي نُحتت في صخر الأفعال، لا تبحث عن شخص يملأ قاربك بالبضائع، بل ابحث عمن يعلمك كيف تُرمم خشب قاربك بنفسك.



اضافةتعليق
التعليقات