|
مصطفى مصطفى احمد طفل لايتجاوز عمره
العامين، يقف عند شاهدة قبر ابيه وينقل نظراته بفضول بين القبور
القريبة عسى أن يجد بينها اختلافا، يحاول أن يمد قدميه الصغيرتين للبحث
عن شيء ينشغل به، فتنهره والدته عن ذلك وتجبره على الجلوس ريثما تنهي
تلاوة بعض آيات الذكر الحكيم ، لكنه لايعلم لمن تقرأ والدته القرآن.
سئم مصطفى السكون , يريد ان يتحرك ويركض
ويلعب كغيره من الاطفال ولكن اين يلعب فالمقبرة أرض رملية ضمت رفات
ابيه الذي قتل برصاصة قناص قبل عامين وهو لايزال جنينا في بطن امه التي
اطلقت عليه اسم والده لتخلده.
لم تجد ام مصطفى حلا اخر الا ان تغلق
المصحف الشريف وتعود بمصطفى الى البيت والذي ارتفع صراخه معبرا عن ملله
من هذه الزيارات المتكررة والتي لاتعني له شيئا.
في طرف اخر من اطراف مقبرة الكرامة
والواقعة شمال شرقي مدينة الموصل ، تصل الى الاسماع اصوات ناعمة تتلو
سورة الفاتحة حيث جلس احمد ورنا وهند بين قبري والديهما اللذين قتلا
برصاص المسلحين امام انظارهم وداخل دارهم الامنة والتي اقفلتها الجدة
بعد ان اصطحبت ايتامها الثلاثة.
كان والدهما نقيبا في الجيش السابق الا
ان رصاصات الغدر لم ترحمه حتى بعد ان عمل صباغا للدور تاركا مهنته
الاصلية.
اتم الأطفال الثلاثة الذين لاتتجاوز
اعمارهم الثانية عشر سورة الفاتحة ثم انهاروا بالبكاء بين القبرين.
عمر فتى صغير ولكن مصابه بأيبه المقدم
ياسين الذي اغتيل بتسع رصاصات من قبل مسلحين امام عينيه زاد من عمره
الحقيقي عشر سنوات انه يتكلم معك وكأنه في العشرين ,قال لوكالة أنباء (اصوات
العراق) المستقلة "لن اقبل عزاء من احد حتى آَخذ بثأر والدي."
كان عمر يتكلم بشموخ وكبرياء وثقة كبيرة
في النفس وينهر عمته الباكية على ابيه بأن لاتذرف دموعا بل تقرأ آيات
من القران الكريم .
واكمل عمر حديثه "لقد اغتالوه بطريقه
جبانه وغادره، لانهم يعرفونه بطلا وسيقاومهم اذا كان هناك نزالا حقيقا
, ولكنهم جاءوا خفية، وكان والدي يحادث والدتي امام دارنا وظهره على
الشارع ومروا سريعا بسيارتهم واطلقوا رصاصاتهم وماهي الا لحظات حتى
امتلأ الشارع بدم والدي."
تابع عمر حديثه ولم تدمع له عين في الوقت
الذي يسمع فيه بكاء كل من حوله وهو يروي حادثة استشهاد ابيه وقال "لن
انسى نظرات والدي الاخيرة وهو يحاول ان يتلفظ بالشهادة بصعوبة بالغة
وبحروف متقطعة والتي انهاها ناطقا اسمي ثم اغلقت والدتي عينيه وكانت
تحاول ان تسد ثقب احد الرصاصات بثوبها. هذه النظرات هي التي حملتني
مسؤولية ان اكون رجل البيت من بعده وهي من تجعلني مصرا على اخذ ثأره."
في مكان اخر كان بكاء امرأة في الاربعين
من عمرها يرتفع وهي جالسة امام قبر زوجها بينما وقف صغارها الستة حول
القبر.
كانت ام احمد تشكو لزوجها صعوبة الحياة
وشظف العيش وقلة ذات اليد وتدعو من الله بالانتقام من قاتل زوجها.
اولادها حولها منهم من يعي ما تقول ومنهم
غير ذلك لصغر سنه.
قالت وداد أبنته الكبرى (14عاما) وهي
تذرف الدموع: كان يعمل اجيرا في البناء , قتلوه مع زملائه الخمسة من
العمال الذين كانوا يعملون في ترميم مركز شرطة الزهور. كان يفرح عندما
يجد عملا ويستلم أجرا كي يشتري لنا بعض الطعام, فنحن عائلة كبيرة مع
جدتي الطاعنة بالسن وعمتي الضريرة . كان يصرف على عشرة اشخاص نسكن غرفة
بالايجار . الان لامعيل لنا.
وتضيف وداد: احتار في امر القتلة . الا
يفكرون بالارامل والايتام الذين تخلفهم عملياتهم الاجرامية, ما ذنبه
وما ذنبنا؟.
تبكي وداد والدها وهي تمسح دموع الصغيرة
وسن والتي كانت تنادي والدها وتنتظر رده ولكن هيهات.
في طرف اخر من المقبرة كان باسل وخالد
وامجد وحنين وسها ومروه وهديل وايمن يلعبون برمال المقبرة , كبيرهم
لايتجاوز الثامنة من عمره وقال: كان والدي وعمي اكرم وعمي ابراهيم
يعملون سائقين عند صاحب احد معارض السيارات يجلبون السيارات الحديثة من
بغداد , ويتقاضون عن إيصالها أجرا، وقبل خمسة شهور أمرهم مسلحون
بالنزول من السيارات واطلقوا عليهم النار.
وتابع خالد كلامه وهو يحرك رمال المقبرة
بقدميه بحركات منتظمة: نعيش مع جدتي ، زوجة عمي اكرم متوفية منذ سنة
وزوجة عمي ابراهيم تركت البيت وسافرت لاهلها في سوريا ، امي مريضة ،
وجدتي لا تعرف ماذا تعمل بعد ان فقدت اولادها الثلاثة انها تجلبنا الى
المقبرة وتجلس تبكي ابنائها.
رشا هاشم طفلة في التاسعة من عمرها .
ولكن عند الحديث معها نجدها اكبر من التاسعة .انيقة الملبس تقف امام
شاهد قبر والدها وهي تحمل زهورا قطفت حديثا ، انهت قراءة الفاتحة ووضعت
الزهور على قبر ابيها وقالت حصل والدي على شهادة الدكتوراه من فرنسا
وقدم ابحاثا في جامعاتها وحاز على جوائز تقديرية كثيرة وعاد للوطن
ليدرس في جامعة الموصل . هذه الرصاصة التي احمل غلافها بسلسة في رقبتي
اصابته في قلبه الحنون بعد ان انتهى من اعطاء محاضراته لطلابه وغادر
الكلية.
وأضافت: هذه الرصاصة التي اطلقت عليه من
قبل مجموعة مسلحة قضت على احلامي واحلامه وباعدت بيني وبيه , وكنت
اتمنى ان اعرف سبب اطلاقها.
سعيد خليل (11 عاما) يرش قبر والده
بالماء بعد ان قام بتعديله ورفع الحصى عنه ثم اخذ برش ماء الورد على
الجالسين قرب القبر، قال: لقد قتل في انفجار سيارة مفخخة وهو يشتري
كيكة وحلوى وهدايا لعيد ميلادي. لم يبق منه إلا بعض العظام المغطاة
بلحم محترق ,وكانت هناك بقايا لدراجة هوائية في صندوق السيارة ،انها
هدية عيد ميلادي.
رفع سعيد صورة والده ومسحها بقميصه
واحتضنها وهو يجهش ببكاء حار بعد ان اشبعها قبلا.
اما وليد مال الله فهو من طلب التحدث
لوكالة انباء (اصوات العراق) المستقلة وهو يشير لقبر ابيه قائلا " لقد
دفناه بدون رأس ولكن بعد يومين فتحنا القبر لندفن الرأس بعد ان العثور
عليها.
وهذه رنا محمد.. تسعة اعوام تبكي والدتها
الشرطية بتول شلال .. وتلك نور صباح ذات الخمسة اعوام تبكي اخيها ضياء
صباح الطالب في جامعة الموصل .. وهذه هند قاسم ذات الثمانية اعوام تبكي
شقيقتها المعلمة التي ذبحت في بداية العام الدراسي
واطفال اخرون يزداد عددهم يوميا، يحملون
زهورا طبيعية وصناعية ليضعوها على قبور احبتهم ممن قضوا نحبهم بلا ذنب
وهم يستعيدون ماعلق في الذاكرة من مآس.
لقد هجر اطفالنا طفولتهم والعابهم وحتى
مدارسهم الى المقابر مجبرين.
الموصل- (أصوات العراق) |